العرض القادم في بحر غزة
مصطفى أبو لبدة

إرم نيوز –

ما لم يقُله الرئيس الروسي في خطابه بمناسبة يوم النصر، الاثنين الماضي، بشأن آفاق الحرب في أوكرانيا، وما تعمّد تجهيله بخصوص المكان الذي ستنتقل إليه كاميرات تغطية هذه الحرب إذ استحقت النقلة التوسعيّة، لم يغّيرا في القناعة بأن الشرق الأوسط هو ساحة المواجهة القادمة، وتحديدا مياه قطاع غزة، في إقليم شرق المتوسط الغني بالمشاكل النائمة كغناه بحقول آبار الغاز.

ففي الرابع من هذا الشهر، وصل إلى موسكو وفد من حركة «حماس» يرأسه نائب رئيس الحركة موسى أبو مرزوق، بجدول مفاوضات عريض أساسه موضوع كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة.

توقيت الزيارة الأخيرة، وهي الثانية خلال خمسة شهور، كان لافتاً؛ فهي مفاوضات على موضوع واضح أن روسيا تريده، كونها هي التي دعت له وسط تصاعد التوتر بينها وبين إسرائيل.

وكان لافتا أيضا أن الخبر الروسي الرسمي عن الزيارة تضمّن الكشف عن أن وفد حماس سيلتقي أيضا الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، فوجد الخبر من يضيف له تذكِرة بأن قديروف يتفاخر بدور قواته في القتال إلى جانب روسيا، وأنه كان الشهر الماضي قد وصف هذا القتال الدائر في أوكرانيا بـ“الجهاد“، حيث كتب عبر تطبيق تلغرام في الرابع من مارس / آذار ”لقد صدر الأمر وحان وقت الجهاد“.

أهمية موضوع كسر الحصار الإسرائيلي على غزة كبند أساسي في مفاوضات حماس بموسكو، تتمثل في كونه ورقة قابلة للمفاعلة النووية، في إدارة وتحريك قضية محلية شرعية مزمنة، وتحويلها إلى إقليمية أو دولية.

فيها تستطيع موسكو أن تجعل من موضوع غزة والقدس ملحقا لمعركة أوكرانيا يتجاوز مجرد محارشة إسرائيل بأوصاف النازية وبلعبة الاعتذار الذي يكرّس التهمة، مع ملاحظة أن حكومة تل أبيب في نزقها المنفلت قدّمت لموسكو كل ما تحتاجه من حيثيات وذرائع سياسية ودينية للارتقاء بالمحارشة إلى مرتبة المواجهة المدججة التي يجري تجهيزها في مياه غزة وتركيب عناصرها في سياقات ومعطياتٍ تجعلها مشهداً يزيح الكاميرات عن أوكرانيا.

يوم 16 أبريل الماضي خرجت موسكو عن معهودها ووصفت إسرائيل بأنها تمارس نهجاً تُواصل فيه أطول احتلال في تاريخ العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي بيان للخارجية الروسية قالت إن قطاع غزة أصبح بشكل أساسي سجناً في الهواء الطلق، واضطر الملايين للبقاء على قيد الحياة لمدة 14 عاما تقريبا، في ظل ظروف الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم بحرا وجوا وبرا.

وقد تبين لاحقاً أن هذا التذكير الروسي بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبعدم إنسانية حصار غزة، جاء مرفقاً بدعوة رسمية من الخارجية الروسية لوفد من قيادي حركة حماس للبحث في طريقة كسر الحصار، بمشاركة إيران.. يعني تدويل معركة غزة التي كانت حماس قد ربطتها بقضية القدس والمقدسات.

في 30 نيسان قدّم رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار، إلى إيران، مرشداً ورئيساً وحرساً وشعباً، التحية بدعوى دعمها للفلسطينيين والقدس والأقصى، وأعلن أن حماس ومحور المقاومة (إشارة معروفة إلى إيران وتشكيلاتها المسلّحة التي تعمل في لبنان والعراق وسوريا واليمن) سيبدأون في الفترة المقبلة التنسيق لفتح الطريق البحري من غزة وإليها.

كان واضحاً أن ما أعلنه السنوار ليس من سوية ما يسمونه في الجزائر بـ ”الخطاب الحجّاجي“، ويقصدون به التصريحات السياسية المجانية التي توظّف الوسائل اللغوية والمكونات التعبيرية الموازية.. فقبل يوم من خطابه، كان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة، قال بمناسبة يوم القدس العالمي، إن ”الصراع مع إسرائيل يمكن أن يتحول من ثنائي إلى صراع إقليمي وأوسع من ذلك“.

جديدُ معركة كسر الحصار الإسرائيلي على غزة هذه السنة، وهي المواجهة الفلسطينية المشروعة المستحقة، والتي تقننت بدايات عام 2006، هو أنها اليوم تأتي مبرمجة دولياً.

فيها لروسيا ورقة التوقيت المرتبط بالحرب في أوكرانيا والاستعداد لتوسيع الجبهة جغرافيا وللتصعيد السياسي وربما العسكري الذي اقتضى جولتين من المفاوضات مع حركة حماس خلال الشهور الخمسة الماضية.

وبالقدر نفسه من التصعيد المحتمل، تريد إيران من هذه المواجهة المنتظرة في مياه غزة أن تكون جزءاً من أوراق المساومة مع الولايات المتحدة على ملف النووي الإيراني في مفاوضات جنيف، وما سيتبعه ويتصل به من الاعتراف الذي تريده طهران من واشنطن وتل أبيب بمشروعها أو نهجها الاختراقي لدول الجوار العربية.

قراءةُ الجديد المحتمل في معركة كسر حصار غزة، الموعودة في وقت ما بعد عيد رمضان، هذه القراءة لا تتضح كفاية دون استرجاع ما حصل في سابقاتها من مواجهات على مدى السنوات الـ16 الماضية، وتخللتها 3 عمليات عسكرية كبيرة في الأعوام 2008 و2012 و2014.

ففي حزيران 2006 أسرت حماس الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في عملية عسكرية أخذت اسم ”الوهم المتبدد“.. وفي حزيران 2007 أحكمت حماس سيطرتها السياسية والعسكرية على قطاع غزة بعد اقتتال فاجع بينها وبين حركة فتح، أدى إلى فصل الضفة عن غزة وإحياء شهوات أو أحلام إقامة الدولة الفلسطينية في غزة، بعد أن مات خيار الدولة التي مقرها الضفة الغربية.

في أغسطس 2008 اخترق حوالي 40 متضامناً أممياً من 17 دولة، حصار غزة على متن سفينتين.. وفي ديسمبر 2008 منعت إسرائيل سفينة المروة الليبية المحملة بالأغذية والأدوية من تفريغ شحنتها قرب غزة.

 

يومها وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عمليات السفن لكسر الحصار على غزة بأنها ”لعبة سخيفة“، فردّت عليه حماس بأن وصفت تصريحاته بأنها ”كلام سخيف لا يستحق الرد“.

وفي نفس الشهر رفع حقوقيون دوليون دعوات قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد حكومة إسرائيل وكبار قادتها السياسيين والعسكريين، بتهمة الإبادة الجماعية الناجمة عن استمرار حصار غزة.

في يناير 2009 فرضت إسرائيل حصاراً برياً وبحرياً على القطاع، أعقب في حزيران تراجعا إسرائيليا لتخفيف الحصار متمثلاً برفع القيود عن بعض الواردات والمشاريع المموّلة خارجياً.

وفي مايو 2010 خرجت من تركيا ستّ سفن أُطلق عليها ”أسطول الحرية“ متوجهة إلى غزة.

حصل أيامها أن تصدّت لها البحرية الإسرائيلية، وبالذات لسفينة ”مافي مرمرة“ ما أسفر عن قتلى وجرحى في حادثة تداعت سلباً على العلاقات السياسية والدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب، التي لم تستأنف إلا مؤخراً، في ظروف ومعطيات جففت فيها أنقرة رعايتها للإخوان المسلمين وتفريعاتهم المتصلة بحماس غزة.

جديدُ معركة كسر حصار غزة، كما بات متوقعا في أي وقت منظور، هو أنها هذه المرة جهزت لها روسيا وإيران بما يجعلها أجندات مفتوحة للاحتمالات الخارجة عن حسابات حركة حماس التي كانت قد ربطت الحصار بملف القدس وأضفت على المواجهة القادمة الطابعين الأممي والديني.

ففي الأجندة الإيرانية، على سبيل المثال، يستذكر قدامى الإخوان المسلمين وحماس ممن كانوا زاروا طهران للتهنئة بثورة 1979، أن الإمام الخميني كان قد أطلق في آب من ذلك العام موكباً للاحتفال بيوم القدس (روز جهاني قدس)، وجعله مناسبة سنوية تنعقد في يوم الجمعة الأخيرة من رمضان، بدعوى أنها للمقاومة، لكن الخميني لم يُخف يومها القصد منها وهو نزع الولاية على القدس من العرب وتسليمها إلى إيران.

هذه السنة أشركت حماس الروس والإيرانيين في معركتها المشروعة (سيف القدس) لكسر الحصار على غزة، فكانت بذلك تُطلق لعبة دولية كبرى يرهن فيها الإخوان المسلمون مواجهة شرعية مستحقة، ويشبكونها بأجندات خارجية لعواصم موصوفة بالدهاء والافتراس.

مشهد قادم لعرض استثنائي في بحر غزة، يصعب التكهن بفصوله ومفاجآته: فيه ما يشبه في علم الصيدلة وصفة العلاج السُّميّة Toxic Prescription، تعرف كيف تبتلعها لكنك لا تعرف كيف تُخرجها أو تتخارج منها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com