أمي.. سأخبرك بشيء
الجازي طارق السنافي

النشرة الدولية –

إلى روح أمي الغالية، إلى ذلك القلب الكبير الطيب الذي كان ينبض بالحب والحنان – ولايزال ينبض في روحي – إليك يا أمي الحبيبة، وأنت بين احضان التراب، والآن، سأخبرك بأنني انتظرت أن ينتهي عزاؤك حتى يهدأ بالي وألملم كلماتي، استغرقت وقتا طويلا لأبدأ، شعرت وكأنها المرة الأولى التي أكتب فيها وأمسك القلم، كلماتي مبعثرة، وأفكاري مشتتة، لا أعرف كيف أبدأ ومن أين أبدأ وبماذا أبدأ.

أمي سأخبرك بأنني افتقدك بحجم الكون، سأخبرك بأن هناك شيئا أصبح ينقصني، وكأنني خسرت جزءا مني لا يعوض، لا أعرف كيف أصف ذلك الشعور الغريب أو الاستيعاب، بأنك موجودة وغير موجودة، لا أستوعب كيف سأستيقظ في الصباح وأسأل «أين أمي؟» و«كيف حال أمي» أو متى تستيقظ أمي؟ أعي أنك عانيت كثيرا مع مرض الزهايمر اللعين، منذ 8 سنوات، ونسيت من أكون وما اسمي، ولكن كنت في كل مرة تنظرين إليّ كنت تبتسمين وهذا كان يكفيني، مازلت أتذكر وبالرغم من نسيانك لي، اقتطعت مقالتي من الجريدة، وكنت تتجولين في المنزل حاملة مقالتي وصورتي بيدك، عندها سألتك ماذا تحملين في يدك؟ فأجبت: لا أعلم أحمل صورة بنت جميلة، لم تعلمي أنها أنا ابنتك لكنك احتضنت صورتي.

سأخبرك يا حبيبتي كم نحن نتوق لسماع صوتك وحكمك، وتوبيخك عندما نخطئ، كنت تقولين «اعملوا بأصلكم لا بأخلاق الناس»، كنت عندما يخطئ الآخرون بحقنا ونتذمر تقولين «لا بأس، كونوا افضل منهم» يا أمي كيف ترحلين بهذه السرعة؟ تيقنت يا أمي أن الوقت مزيف، خدعنا بسرعته وأنا كنت أحسبه بطيئا.

يا أمي سأخبرك بأن الأسابيع الأخيرة في المستشفى البائس كانت كالكابوس، كنت أعد الدقائق حتى تعودي إلى المنزل، كنت أدعو ألا يدخل أي طبيب حتى لا أسمع أي خبر سيئ، لأنني – وفي أعماقي – كنت على يقين أنهم كانوا سيئين، تعاملوا معك كدمية نائمة على الفراش وحقنوا كل تلك السموم باسم الأدوية في جسدك الطاهر، سأخبرك يا أمي بأننا نادمون على السماح لهم بلمسك، أمي حبيبتي سأخبرك بأنني كنت أعتصر وأنا أنظر إلى الشاشات وأجد الأرقام تتهاوى وتتغير، كانت الليالي الأخيرة هي الأسوأ في حياتي يا أمي، أراك تتألمين وأنت تحت التخدير، كانت الدموع التي تسيل على خديك سيوفا تخترق قلبي، كنت أمسح دموعك ودموعي معا، يا أمي سأخبرك بأن اللحظات الأخيرة كانت لحظات رعب وخوف وترقب، توقف قلبك عن النبض وشعرت بأن قلبي الذي توقف.

إلى اليوم يا أمي لا أكاد أستوعب أنك لست في المنزل، سأخبرك بأنني الى هذه اللحظة لا أستطيع النظر إلى مكانك، لأنني لا أود إلا أن أراك هناك. أمي سأخبرك بأنك كنت أما رائعة وكنت خير مربية ومعلمة، وكنت مثالا للصبر والقوة، وكم أفخر بك يا رائعة يا سخية يا جميلة ويا حبيبة ويا طيبة، يا أمي سأخبرك بأن قاعة العزاء كانت ممتلئة بالمحبين، هنيئا يا أمي لك كل هذا الحب. هنيئا لك رحيلك في يوم مبارك وشهر مبارك وساعة مباركة. أعلم أنك في مكان أفضل وتعيشين حياة أفضل وبين ناس أفضل، وأنك الآن في العالم الآخر سعيدة مطمئنة ومرتاحة، في مكان لا ألم فيه ولا قلق. هنيئا لك يا أمي، وآخر ما سأخبرك به الآن يا أمي، بأننا سنلتقي بعد حين وسأخبرك حينها بكل شيء.

آخر السطر: أعزي أبي الغالي، بوفاة زوجته وصديقته ورفيقة دربه وشريكة حياته، أسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يلهمه الصبر على فراقها ويطيل في عمره ويمده بالصحة والعافية والسعادة.

(إنا لله وإنا إليه راجعون)

زر الذهاب إلى الأعلى