مأزق لبنان في التدخلات الخارجية أم في الداخل؟
حمزة عليان

النشرة الدولية –

إشكالية تعريف الهوية الوطنية ليست حصراً في بلد عربي مثل لبنان، بل هي موجودة في العراق واليمن وسورية والعديد من بلدان الخليج العربي، وقبل الدخول في نقاش حول «هوية وطنية تضع مصلحة البلد في أولى المراتب» نحتاج إلى أساس أو مرجعية نرتكز ونبني عليها، وإلا سنكون كمن يبني قصوراً على الرمال.

تابعت ما يطرحه عدد من المفكرين والمثقفين اللبنانيين حول إيجاد الهوية الوطنية الجامعة، معتبرين، على حد وصف أحد المؤسسين لهذه المبادرة الزميل سعد محيو، أن «مأزق لبنان الأكبر لا يكمن في تدخلات إيران والسعودية وأميركا وفرنسا، بل في غياب المشروع الوطني المستند إلى هوية وطنية تضع مصلحة البلد في أولى المراتب، وتسعى إلى وقف الاستقطابات والانقسامات الفئوية والطائفية التي لن تؤدي في نهاية المطاف سوى إلى الدمار المشترك، بدل العيش المشترك»، تلك المداخلة جاءت تعليقاً على تقرير أعدته الزميلة منى فرح ونشر في موقع «180 post» وإجماع خمسة رؤساء أركان في الجيش الإسرائيلي على أن «التهديد الداخلي لها وجودي وأخطر من إيران».

مبادرة الهوية الوطنية تحمل من النبل الكثير بقدر ما تحمل الاستشعار بجدية الانقسام والتشرذم الذي بات على الأبواب، لذلك كان هذا الصوت بمنزلة إنذار ودق ناقوس الخطر، إذا لم تتوحدوا وتتعايشوا وتتعاملوا كمواطنين، فنحن ذاهبون إلى «الجحيم»؟

المقاربة هنا بين الوضع اللبناني والإسرائيلي قد لا تستقيم لأسباب عديدة، لكنها أي المقاربة تصبح ذات جدوى إذا استحضرنا أمامنا حالة العراق واليمن وسورية إلى حد كبير.

كيف لنا أن نغوص في تحديد ورسم عناصر الهوية الوطنية في المجتمع اللبناني أو غيره، ونتجادل بالمفهوم والتعريف، ما لم نعد إلى الجذور، أي إلى صيغة النظام السياسي القائم، والذي تم تركيبه منذ عام 1943 وما تبعه بحيث أعطى «الطوائف» حق التمثيل لكل طائفة «17 طائفة» في المناصب الثلاثة الأولى في الدولة، وفي الحكومة (الثلث المعطل) وفي مجلس النواب «المناصفة»، هذا يعني أن «صيغة الحكم»، ولدَّت هوية طائفية بعيدة عن الوطن والمواطنة والوطنية.

لم يكن هناك جامع بينها سوى العيش ضمن مساحة الـ 10 آلاف كلم2 بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 والتي تنسب بعض أصوات الطائفة المسيحية الفضل في إنشائه إلى البطريكية المارونية مصحوبة بدعوات التقسيم «وحلُّوا عنا» فقد وقع خطأ تاريخي آن الأوان لتصحيحه!

المشكلة أن «الطوائف» وعلى مر الأزمات التي عصفت بهذا البلد (ثورة 1958– الحرب الأهلية 1975– حرب 2006 ودخول بيروت) كانت تمد يدها إلى قوى خارجية للاستقواء بها على أطراف وطوائف لبنانية بسبب غياب «الهوية الوطنية» واستبدالها بـ «هويات طائفية»، ومن استقوى بالخارج ولجأ إليه واستعان به ليتغلب على شركائه في الوطن، لم تردعه حماية الوطن بل أوصلته إلى التقسيم والتدمير والحفر في تقطيع أوصال كل ما يمت بصلة إلى «الهوية الوطنية».

خلاصة الأمر، أن الاستقطاب والانقسام الفئوي، والطائفي أتى نتيجة تفصيل ثوب، أطلق عليه، اسم الدستور، حمل في ثناياه بذور قتل أبنائه، لنرى ماذا حصل في العراق بعد 2003 وإخراج صدام حسين من الحفرة إلى الإعدام، قام بول بريمر بحل الجيش وصياغة نظام سياسي قائم على حصص طائفية وهو ما جعل من الطوائف الشيعية والسنية جسر عبور لقوى خارجية إلى الداخل، ولم يكن العراق يعيش هذه الحالة من قبل، أي أن «الهوية الوطنية» استندت إلى نظام سياسي وإن كان دكتاتورياً، ربما باستثناء وضع إقليم كردستان الذي استغل في عهود سابقة لاستجلاب قوى أجنبية.

استبدال الهوية الوطنية بأخرى مناقضة مرجعه غياب بنيان النظام السياسي والدستوري وبناء دولة مركزية جامعة لكل أبنائها دون تمييز، وجعل المواطنة حجر الأساس في كل مناحي التشريع والقوانين والوظيفة والمناصب وتوزيع الثروة وإلى ما هنالك من حقوق وواجبات.

الدولة المتعددة القوميات والطوائف ستبقى معرضة للتناحر والانقسامات إذا لم تكن محكومة بمرجعية واحدة ومركزية تعطي الأمان والثقة والحقوق المدنية والسياسية لكل مكوناتها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com