المثقفون في عزلة.. والزبد يرتقون..!!
صالح الراشد

النشرة الدولية –

تزعجنا الحياة بإطلالات لا تسر البال ولا تجلب السعادة، ليس كون أصحابها بشعون الشكل والهيئة، بل على العكس فهم يرتدون أجمل الثياب ويستخدمون أجمل العطور، ولهم هيبة عظيمة سرعان ما تختفي حين يتحدثون فيهتف الشعب بصوت واحد : “آن لنا أن نمد أرجلنا”، وعندها يحق لأصحاب الفكر والرشاد أن يمدوا أرجلهم أكثر من غيرهم على طريقة أبي حنيفة بسبب جهل أصحاب القرار وضعف مستواهم الفكري.

 

فالمشهد العام يتصدره العديد من الأشخاص غير الأكفاء من رجال ونساء، وظهر بوضوح أنه كُلما زاد الجهل عند هؤلاء يرتقون في المناصب، ويصبحون قادة رأي ويعتلون المنصات أمام أصحاب الثقافة الأصيلة والذين يعودون للخلف أو ينزوون في بيوتهم بعيداً عن الفوضى التي غيرت مفاهيم البشر، وتشهد وسائل التواصل الاجتماعي على تكاثر وتوالد الجهلاء في العالم الافتراضي، لينموا على جهلهم وغبائهم جيل جديد من المُتلقين المصابين بالخرس لعدم قدرتهم على الحوار جهلاً  وخوفاً.

 

فالمشهد العام أصبح شبه خالٍ من المثقفين أصحاب السوية العالية والفكر الناضج ، ليسطع في الصورة أشخاص ذوي أنوار مصطنعة يقودون مجموعات لا شأن لها بالثقافة ونهجها، ليشكلوا ثقلاً كبير على انطلاقة الثقافة الحقيقية لنجد مئات كتب بلا قيمة فكرية تطبع شهرياً، ونلاحظ إزدحام غير صحي في الملتقيات والتجمعات والحفلات والأمسيات المقامة في مُحاق القمر فلا تضيء عقول ولا تنير  قلوب ودروب.

 

ويفكر الكثيرون عن أسباب هذا التراجع وإن كان مقصوداً أو بالصدفة، فالمثقفون مع تداخل السلطة بالشعب ومحاولتها السيطرة عليهم تمت استمالتهم كما حصل عبر القرون السابقة وكان للسلطة ما أرادت، وسيطرت على البارزين منهم في العصر الحالي، وأبعدت المثقفين الحقيقين أصحاب المواقف والفكر المُضاد عن الصورة في محاولة لضمان تراجع مكانتهم في عيون الناس، ليعلوا الزبد على السطح، فلا تجد الشعوب من تهتدي برسالتهم المجتمعية لتصبح رسالة الدخلاء على الثقافة هي الاساس بعد ان تبوءوا المقدمة فيما العزلة رفيقة الراشدون.

 

ونجد هذا الوباء لا يُطارد المثقفين وحدهم حيث انضم إليهم في عملية المُطاردة الخبراء في شتى المجالات، لنجد الزبد والعوالق تتكاثر وتتجمع في عوالم السياسة والاقتصاد والرياضة والفنون والأدب، لتهبط جميعها وتتراجع مسببة السقوط المجتمعي حتى كادت المجتمعات العربية تختفي فكرياً ومنهجياً، كونها سارت في طريق واحد واسع عنوانه أنا مع السلطة وضيق حمل عنوان سأعتزل البشر، ليختار الغالبية العزلة رغم ضيقها لعل فيها النجاة بالنفس والحفاظ على المباديء وهدوء الخاتمة.

 

لقد آن للقافزين على المناصب ومراكز الثقافة وصناعة فكر المجتمع  ومن يحركهم أن يعلموا بأنه لا يمكن السيطرة على الشعوب إلى الأبد، فالشعوب قادرة على اكتساب الوعي الذاتي وتغير الواقع السقيم، متجاوزين مرحلتي التحكم بالمثقفين القائمة على أحد أمرين:إما إن يكون مقربا من الحاكم فيغنم ولكنه يخضع لنزواته، أو أن يزهد فيركن إلى العزلة، وعبر ابن المقفع قائلا : “إما أن يكون مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا “، ويختار الناضجون التبتل والفارغون يبحثون عن التكريم.

 

آخر الكلام:

 

لا أقصد إلا من شك بنفسه فهو أخبر مني بذاته.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com