الصحافيون “يمشون على حافة الموت” خلال عملهم في المناطق المضطربة

مقتل أكثر من 860 صحافياً في العقد الأخير... سوريا تتصدر القائمة بـ700 وطهران تطارد العاملين في "بي بي سي فارسي"

النشرة الدولية

اندبندنت عربية –

ليست سهلة مهمة الصحافيين والمراسلين في المناطق المضطربة التي تتعرض لنزاعات مسلحة أو حروب. ويجوز القول إن مهمة الصحافي في تلك المناطق أشبه بمن يمشي على حافة الموت.

وتشير إحصائيات “مرصد اليونيسكو” في تقرير حرية التعبير (2021-2022) إلى مقتل 86 صحافياً، العام الماضي، بمعدل صحافي واحد كل أربعة أيام، وارتفع العدد من 55 حالة قتل حدثت خلال عام 2021، من بين 1452 جريمة رصدت منذ عام 1993.

سوسن مهنا

وقالت الوكالة الأممية إن هذه النتائج تسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي لا يزال الصحافيون يواجهونها أثناء عملهم. وأشارت إلى أن ما يقرب من نصف القتلى استهدفوا خارج أوقات العمل، وتعرض البعض للهجوم أثناء السفر، أو في مواقف السيارات أو في أماكن عامة أخرى لم يكونوا يؤدون فيها أي عمل رسمي، بينما كان البعض الآخر في منازلهم لحظة مقتلهم، في دليل على أنه “لا توجد أماكن آمنة للصحافيين حتى في أوقات فراغهم”.

صحافيون قتلوا أثناء تغطيتهم الأحداث

في تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية نشر في شهر مايو (أيار) 2022، تحدثت فيه عن الصحافيين الفلسطينيين وما يواجهونه من المخاطر أثناء تغطيتهم الصراع الدائر بين إسرائيل وفلسطين، وذلك على خلفية مقتل الصحافية الفلسطينية – الأميركية شيرين أبو عاقلة أثناء تغطيتها مداهمة نفذها الجيش الإسرائيلي على مخيم جنين في الضفة الغربية. ووفقاً لبيانات لجنة حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، قتل منذ عام 1992 ما لا يقل عن 19 صحافياً في إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

وأشار التقرير إلى أن 16 من هؤلاء القتلى هم من الصحافيين الفلسطينيين، الذين “يتحملون بشكل غير متكافئ وطأة العنف الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة”، إضافة إلى عديد من المراسلين والمصورين والصحافيين الذين أصيبوا بجروح جراء ضربات صاروخية أو إطلاق ذخيرة حية أو رصاص مطاطي أو غاز مسيل للدموع أثناء أدائهم مهامهم.

ولم تكن نيران الحرب في أوكرانيا بعيدة من الصحافيين والإعلاميين، فمنذ بداية العملية العسكرية للقوات الروسية في أواخر فبراير (شباط) 2022 لقي خمسة صحافيين على الأقل حتفهم، كما أصيب أكثر من 30 آخرين، من بين القتلى الصحافي ومخرج الأفلام الوثائقية الأميركي برينت رينو (50 سنة)، الذي أجرى تغطيات لحروب أفغانستان والعراق والاضطرابات في هايتي، وقتل أخيراً وهو يحاول عبور أحد الجسور في إيربين الأوكرانية من أجل تصوير لاجئين يغادرون المنطقة. واعتبر أول صحافي أجنبي يسقط في هذه الحرب.

مهنة الموت

وفي تقرير حقوقي لـ”المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سلط الضوء على واقع الحريات الصحافية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجاء بعنوان “مهنة الموت”، احتلت فيه سوريا المركز الأول من بين 18 دولة عربية بأكبر عدد من الصحافيين الذين قتلوا خلال العقد الأخير.

ونشر التقرير تزامناً مع اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين. وأشار إلى أن العقد الماضي شهد تراجعاً ملحوظاً في الحريات الصحافية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لافتاً إلى أن مهنة الصحافة باتت من أكثر المهن خطورة، بخاصة في مناطق النزاع المسلح.

ووثق المرصد في التقرير مقتل أكثر من 860 صحافياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتصدرت سوريا القائمة بواقع 700 صحافي وعامل في المجال الإعلامي (من بينهم 9 صحافيين أجانب)، بمعدل أكثر من 63 صحافياً كل عام. وحل العراق في المرتبة الثانية، حيث شهد مقتل 61 صحافياً بمعدل ستة صحافيين كل عام، ثم اليمن الذي قتل فيه 42 صحافياً منذ عام 2014 بمعدل خمسة صحافيين كل عام، في حين سجلت الأراضي الفلسطينية مقتل صحافيين اثنين كل عام.

وتؤكد “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقرير لها في شهر مايو 2022، وثقت فيه أبرز الانتهاكات بحق الصحافيين، أن النظام السوري وروسيا يتحملان 80 في المئة من حصيلة الضحايا. وكان عام 2013 هو أكثر الأعوام دموية في حق الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي السوري، بما يقارب نسبة 25 في المئة من الحصيلة الإجمالية، ويليه عام 2012، ثم 2014.

اعتقالات وإعدامات في إيران

وحثت مجموعة واسعة من الخبراء الأمميين في بيان مشترك صدر في شهر نوفمبر الماضي، السلطات الإيرانية على الكف عن توجيه تهم يعاقب عليها بالإعدام بسبب المشاركة المزعومة في تظاهرات سلمية، ومن بين آلاف المتظاهرين السلميين الذين تم اعتقالهم منذ 16 سبتمبر، بمن فيهم عديد من النساء والأطفال والشباب والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين، هناك 51 صحافياً على الأقل. وبحسب ما ورد أفرج عن 14 منهم بكفالة، بينما لا يزال 37 محتجزين. ووفقاً للخبراء، لا يزال عديد من الأشخاص رهن الاعتقال “في الحبس الانفرادي”.

في السياق ذاته، قال موقع “إيران إنترناشيونال” المعارض، في أوائل الشهر الحالي، إن أعداد الصحافيين المعتقلين في إيران تتزايد بشكل مستمر. ونقل الموقع عن جهات حقوقية، قولها إن السلطات الإيرانية اعتقلت مهدي بيك رئيس القسم السياسي بصحيفة “اعتماد” الإيرانية. وأشارت إلى أن عدد الصحافيين المعتقلين في إيران منذ اندلاع الاحتجاجات بلغ 74 صحافياً. وجاء اعتقال مهدي بيك عقب نشر صحيفته خلال الأسابيع الماضية تقارير مختلفة حول أوضاع المعتقلين، والمحكوم عليهم بالإعدام، ونشرت مقابلات مع أسرهم.

وأفادت إذاعة أميركية ناطقة بالفارسية أنها تلقت قائمة تضم أسماء أكثر من 110 كتاب وصحافيين إيرانيين قد اعتقلوا أو هددوا أو تعرضوا للأذى من قبل السلطات الأمنية الإيرانية خلال الاحتجاجات الأخيرة لأسباب سياسية، ولا يعرف مصير البعض منهم، كما تتضمن أسماء بعض الفنانين أو طلبة في الفروع الفنية، وبخاصة المسرح.

وأعلنت لجنة حماية الصحافيين من مقرها في نيويورك، عن اعتقال ما لا يقل عن 62 صحافياً منذ بداية الاحتجاجات. وبحسب ما نقلت قناة “إيران إنترناشيونال” فإن الحرس الثوري هاجم منازل عدد من الصحافيين، وصادر أجهزتهم الإلكترونية. وأضافت تقارير القناة أن عناصر النظام هددت الصحافيين بالاعتقال في حال نشر محتوى أو آراء شخصية حول الاحتجاجات أو أوضاع المعتقلين أو إجراء مقابلات مع أسرهم.

يذكر أن السلطات الإيرانية كانت قد أعدمت الصحافي المعارض روح الله زام، في ديسمبر (كانون الأول) 2020، بزعم ضلوعه باحتجاجات مناهضة للحكومة، جرت في أواخر عام 2019.

وكانت شبكة “بي بي سي” البريطانية قد أعلنت في 13 يناير الحالي أن تغطية أحداث ما يجري في إيران تمثل تحدياً مستمراً للصحافيين في خدمة “بي بي سي فارسي”، الذين لا يسمح لهم بدخول البلاد، ويعانون مضايقات يومية، وتتعرض عائلاتهم في الوطن للترهيب، وذلك على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ سبتمبر (أيلول) 2022، بعد أن أشعل مقتل الشابة الكردية مهسا أميني، احتجاجات حاشدة ضد فرض الحجاب والقيود الأخرى، مما أدى إلى إطلاق دعوات إلى تغيير النظام.

وبحسب الشبكة، فإن ذلك يتطلب من صحافيي القسم الفارسي العمل على مدار الساعة، لكن تغطية الأحداث في إيران ليست مجرد تحدٍّ لوجيستي، فالمضايقات التي تمارسها الحكومة الإيرانية لها عواقب على حياة الصحافيين.

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد أصدرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بياناً أدرجت فيه “بي بي سي فارسي” في قائمة الأفراد والمنظمات التي تفرض عليها عقوبات بسبب ما وصفتها بـ”أعمالها المتعمدة في دعم الإرهاب والتحريض على العنف وخطاب الكراهية وانتهاك حقوق الإنسان”.

وتلقى صحافيو “بي بي سي فارسي” تهديدات عبر الإنترنت بالقتل وبأعمال عنف مروعة، وآلاف التعليقات المسيئة المنسقة. وأكد أفراد عائلاتهم في إيران أيضاً تعرضهم لمضايقات متزايدة وشديدة، بما في ذلك استدعاؤهم للاستجواب والتهديد بسبب عمل أفراد من أسرهم في الشبكة.

يذكر أن القناة محظورة في إيران وكذلك الصحافيون، وتم تجميد أصول صحافييها في البلاد منذ عام 2017 واستجواب عائلاتهم واحتجازهم في بعض الحالات. ولا يسمح لصحافيي القناة بالعمل في إيران، لذلك فهم يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يحدث على الأرض والتحقق منه. أما بالنسبة إلى العاملين، فقد أعرب العام الماضي أربعة متخصصين مستقلين في الشأن الإيراني تابعين للأمم المتحدة عن “قلقهم البالغ” في شأن “مضايقة وترهيب” النظام لأولئك الذين يعملون في “بي بي سي فارسي”، بحسب ما نشرته القناة.

تهديدات بالقتل

وفي نوفمبر الماضي، تلقى صحافيان إيرانيان يعملان في قناة “إيران إنترناشيونال” التلفزيونية الناطقة بالفارسية، ومقرها لندن، تهديدات بالقتل من طهران، بحسب ما أفادت المجموعة المالكة للقناة، “فولانت ميديا” Volant Media.

وفي بيان أعلنت المجموعة أن “الصحافيين الإيرانيين البريطانيين العاملين في المملكة المتحدة تلقيا تهديدات بالقتل من الحرس الثوري”. وبحسب المجموعة تلقى الصحافيان “تحذيرات وتهديدات ذات صدقية”، الأمر الذي دفع شرطة لندن إلى “إبلاغ الصحافيين رسمياً بأن هذه التهديدات تشكل خطراً داهماً وموثوقاً وكبيراً على حياتهما وأفراد أسرتيهما”.

ونقل البيان عن متحدث باسم القناة قوله إنها “تهديدات صادرة عن دولة بحق صحافيين في المملكة المتحدة”، مما دفع بوزارة الخارجية البريطانية إلى استدعاء القائم بالأعمال الإيراني لدى لندن، للاحتجاج على تهديدات القتل التي وجهت للصحافيين، وغرد وزير الخارجية جيمس كليفرلي على “تويتر”، “استدعيت القائم بالأعمال الإيراني بعد أن تعرض صحافيون يعملون في المملكة المتحدة لتهديدات بالقتل من قبل إيران”. وأضاف، “نحن لا نتسامح مع التهديد والترهيب من دول أجنبية تجاه الأفراد الذين يعيشون في المملكة المتحدة”.

وكان وزير الاستخبارات والأمن الإيراني إسماعيل خطيب قد هدد بريطانيا بأنها “ستدفع ثمن أفعالها لجعل إيران بلداً غير آمن”، وذلك في أعقاب الكشف عن عمليات أجهزة الاستخبارات الإيرانية ضد قناة “إيران إنترناشيونال” على الأراضي البريطانية. وقال خطيب، “من الآن فصاعداً، سيعتبر أي نوع من الارتباط بهذه المؤسسة الإرهابية دخولاً إلى المجال الإرهابي، وتهديداً للأمن القومي. سيكون عملاء تلك الشبكة مطلوبين من قبل وزارة الاستخبارات”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com