تطورات ثورة “الصخري” الأميركية
أنس بن فيصل الحجي

النشرة الدولية –

ذكرت في مقال سابق أن ما حصل في الولايات المتحدة هو فعلاً “ثورة” لأن الثورات تقلب الموازين رأساً على عقب، وهذا ما فعلته ثورة “الصخري” إذ غيرت كل الاتجاهات، فبدل أن تزيد واردات الولايات المتحدة من النفط أصبحت من كبار مصدري النفط في العالم، وبدل أن تصبح أكبر مستورد للغاز المسال في العالم أصبحت أكبر مصدر له. كما أن صادرات المنتجات النفطية والسوائل الغازية كسرت الأرقام القياسية تباعاً، الواحد تلو الآخر. الزيادات المتتابعة في إنتاج “الصخري” جعلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، كما أن الولايات المتحدة أصبحت مصدراً صافياً للنفط (بالمفهوم العام الذي يشمل الخام والمنتجات النفطية).

تاريخياً لم تؤثر ثورة النفط الصخري مباشرة في النفط الخليجي، بخاصة السعودي، فالنفط الصخري خفيف حلو ومكثفات، بينما واردات الولايات المتحدة من السعودية نفط متوسط حامض، ولكنه أثر في أمور أخرى تتعلق بالمنتجات النفطية والسوائل الغازية، وكان له تأثير كبير غير مباشر بسبب قانون الحظر الذي يمنع تصدير النفط الأميركي الذي طبق في عام 1974، وتم تمديده باستمرار حتى ألغاه الرئيس الأسبق باراك أوباما في نهاية عام 2015.

في ظل الحظر زاد الانتاج، ولكن لا يمكن تصديره، فانخفضت أسعاره في السوق المحلية بشكل كبير مقارنة بالأسعار العالمية ووصل الفرق بين خام “برنت” الأوروبي وخام “غرب تكساس” الأميركي إلى أكثر من 20 دولاراً للبرميل. وهنا علينا تذكر أن أسعار النفط العالمية وقتها كانت فوق 100 دولار، ومن ثم فإن تخفيض 20 دولاراً يعني أن النفط الأميركي ما زال مجزياً لأنه بيع فوق 80 دولاراً للبرميل.

هذه الفروقات السعرية الضخمة جعلت المصافي الأميركية تشتري النفط الأميركي الرخيص على حساب الواردات من النوعية ذاتها والتي جاءت أغلبها من الجزائر ونيجيريا. ووصل الأمر إلى حد أن واردات الولايات المتحدة من هذه الدول توقفت في بعض الشهور.

هنا تأثرت دول الخليج لسببين، السبب الأول هو أن الجزائر ونيجيريا خسرتا أسواقهما وبدأتا البحث عن أسواق جديدة، وهذا يعني بالضرورة التنافس مع دول “أوبك” الأخرى. هذا يعني أن أولى نتائج زيادة إنتاج “الصخري” هي فتح منافسة ضمن دول “أوبك”. أما السبب الثاني فهو أن المصافي صدرت المنتجات النفطية بكميات كبيرة وبزيادة مستمرة، مؤثرة بذلك في الخيار الاستراتيجي لبعض دول الخليج وهو بناء مصافٍ بهدف تصدير المنتجات النفطية للاستفادة من القيمة المضافة.

مع مرور الزمن، وصلت صادرات النفط الصخري إلى آسيا ونافست النفط الخليجي الخفيف في أسواقه الرئيسة. ومع انخفاض أسعار النفط الروسي كان النفط الأميركي أول من بدأ بخسارة سوقه في الأسواق الآسيوية، ولكن اتفاقاً أميركياً – هندياً رفع حصته السوقية في الهند أخيراً.

التطورات الأخيرة

نشرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في نهاية الأسبوع الماضي تقريرها الشهري، والذي ذكرت فيه بيانات شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. أول ملاحظة على هذه البيانات هي أن تقديرات إدارة المعلومات لإنتاج النفط الأميركي (والذي يشمل المكثفات) في الشهور الخمسة الأخيرة كانت كلها أقل من الواقع. الملاحظة الثانية هي أن إنتاج النفط الصخري ارتفع حتى وصل في شهر يناير إلى أعلى مستوى له منذ مارس (آذار) 2020. لا شك أن بيانات كهذه سارة للأميركيين، ولإدارة بايدن تحديداً، ولكنها ليست كذلك، لماذا؟

السبب الأول هو أن أغلب الزيادة في شهر يناير هو انتعاش للإنتاج في خليج المكسيك بعد الإعصار الذي ضرب المنطقة في سبتمبر (أيلول) الماضي، وانتعاش في حقول “الصخري” بعد العاصفة الجليدية التي أوقفت جزءاً من الإنتاج في أحواض “الصخري”.

إلا أن شركات النفط استطاعت رفع الإنتاج في خليج المكسيك إلى مستويات عالية، وهذه الزيادة أسهمت فعلياً في رفع الإنتاج إلى أعلى مستوى منذ مارس 2020.

ولكن المشكلة لا تنتهي هنا، فكل الزيادة المستمرة في حقول الصخري هي من المكثفات وليس النفط. كما أن الزيادة في المكثفات بدأت تحل محل النفط أيضاً، أي أن نسبة المكثفات في زيادة مستمرة كجزء من إنتاج آبار النفط.

هذا يعني أن أحواض النفط الصخري تنتج كميات أكبر من النفوط الخفيفة والغاز السائلة والغاز. والحقيقة أن كميات الغاز المنتجة من حقول “الصخري” في زيادة مستمرة في الفترات الأخيرة، وأسهمت في تخفيض أسعار الغاز إلى مستويات متدنية.

وهذا يشكل مشكلة كبيرة للشركات وللحكومة الأميركية. فأسعار المكثفات منخفضة مقارنة بالنفط، وأسعار الغاز منخفضة وأحياناً يباع بسعر سالب، وهذا يؤثر في ربحية الشركات.

وكون أن إنتاج “النفط” بالمفهوم الحقيقي ينخفض فهذا يعني زيادة اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد. النتيجة الحتمية لهذه التطورات هي زيادة صادرات النفط الأميركية من الأنواع الخفيفة والمكثفات، وزيادة استيرادها لأنواع النفط الأخرى.

ولكن حكومة بايدن سعيدة جداً بهذه التطورات لأسباب أخرى: انخفاض كلف الغاز داخل الولايات المتحدة مما يسهم في تخفيض مستويات التضخم، ووجود الغاز الرخيص يعني إرسال كميات ضخمة من الغاز المسال إلى أوروبا لإحلالها محل الغاز الروسي.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com