السكير القديس
أحمد الصراف

النشرة الدولية –

هذه قصة قصيرة للأديب الروسي دوستويفسكي، اخترتها ليوم الجمعة، بتصرف:

عاش «باولو» حياته كلها وحيداً، حتى عندما كانت الحياة تمتلئ صخباً حوله كان وحيداً، وكان مدمناً على الخمر.

لم يتزوج «باولو»، لكن ذات يوم أخبرته امرأة رافقها بضعة أشهر بأنها حامل منه، لكنها اختفت، ولا يدري حتى الآن ما إذا كانت صادقة أم كانت تحتال عليه من أجل حفنة من النقود. المهم أنه بقي وحيداً إلا من زجاجة الخمر التي كانت ترافقه دائماً.

كان يقطن في حجرة صغيرة، لا ترهقه قيمة إيجارها، الذي يتناسب مع قيمة المعاش الذي كان يتقاضاه من عمله.

كان جاره قسيساً ورجلاً غامضاً، فصمته أكثر من كلماته، حاد العينين، لا ترى منه رقة إلا نادراً، وكانت مفارقة كبرى أن يكون الرجل الذي يصعد بالناس إلى السماء بمثل تلك الصفات، وكان «باولو» يتجنّب الحديث معه، ربما لأن القسيس كان يحتقره، فهو ليس سوى سكير ملحد لم تطأ قدماه الكنيسة!

كان «باولو» يعلم عن الرجل ما لا يعلمه غيره، فقد عرفه مجرّد خادم بالكنيسة، لا يقوم سوى ببعض الأعمال اليدوية، ثم جاءت الحرب، وأصبحت الكنيسة مأوى الجرحى والمهاجرين من البيوت التي دمرتها القنابل، لكنه أصبح، بعد انتهاء الحرب، قسيساً يلقي بالعظات ويعترف الناس له بكل خطاياهم من وراء ستار قاتم اللون.. ويتلقى التبرعات. ومن هنا يأتي سر الكراهية المتبادلة بين رجل أصبح في غفلة من الزمن قسيساً، وبين سكير ملحد يبحث عن الرب!

الحقيقة أن «باولو» كان رجلاً طيب القلب مسالماً إلى أبعد درجة، فقد شوهد كثيراً وهو يطعم الكلاب الضالة، وفي مرة أوى أحدها أياماً عدة هرباً من قسوة الثلوج والمطر، وكان يردد دائماً أنه بحث عن الرب كثيراً بين جدران الكنيسة وعظات القساوسة وحكمة الرهبان وزهدهم، لكنه فشل، فقد كانت عظات القسيس تبعده أكثر عن الطريق الذي يقربه إلى الله، لكنه كان يشعر بأن معجزة ذات يوم ستضعه على الطريق بعيداً عن احتقاره، ونعته بالسكير الكافر.

ذات ليلة بينما كان باولو عائداً من الحانة، وهو بنصف وعي، قابل ابنة جاره توماس المريض بالربو، كانت الفتاة تبكي، فقد امتنع مالك الصيدلية اليهودي راؤول عن إعطائها الدواء الذي يأخذه أبوها قبل أن تدفع ثمنه، وعند ذاك اصطحبها «باولو» إلى اليهودي، وكان يحمل معه زجاجة النبيذ، التي اشتراها لتوه لليلة الميلاد، التي قرب موعدها، وعرض على راؤول أن يقايضه بها، وأن يعطي للفتاة دواء يكفي والدها شهراً كاملاً، فوافق اليهودي على الفور، فقد كانت زجاجة النبيذ تعود إلى عام 1930، أي إنها قد عتقت لعشرين عاماً.

عاد «باولو» إلى غرفته من دون شرابه، لكنه عاد بشيء أثمن بكثير كان يبحث عنه طويلاً، لقد عاد برجفة قلب لم يشعر بها بين جدران الكنيسة أو من عظات الكهان وشفاعة القديسين والرهبان.

كانت رجفة القلب هذه من السماء، ويا لها من معجزة، حيث لم يشرب الخمر بعدها، وعندما مات وجدوا أسفل وسادته ورقة دوّن عليها: «ابحثوا عن الله في إسعاد البشر..».

***

مات «باولو» مؤمناً من دون وعظ من قسيس أو شفاعة من راهب، مات مؤمناً من رجفة قلب.

زر الذهاب إلى الأعلى