حرب التقاسم الجغرافي ونهاية الثورة والسلطة في السودان
رفيق خوري

أخطر ما يدور هو سيناريو ترك البلد ساحة مفتوحة أمام القوى الإقليمية والدولية الراغبة بالسيطرة على الموارد الطبيعية

النشرة الدولية –

محنة السودان مرشحة لأن تطول، والسودانيون رهائن. الجنرال عبدالفتاح البرهان يخطب في الأمم المتحدة ضمن جولة في المنطقة والعالم بعد خروجه الغامض من حصار القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، وليس واضحاً إن كان البرهان لا يزال هو القائد الفعلي للجيش المنضوي في حرب مستمرة منذ أبريل (نيسان) الماضي مع قوات “الدعم السريع” بقيادة نائبه السابق الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لكن الواضح أن السودان يتفتت وينقسم والدولة تنهار.

والمخيف أكثر أن الطرفين مصران على الاستمرار في المعارك القاسية على رغم كل الضغوط والدعوات إلى وقف القتال والتفاوض على تسوية، لا بل على رغم صراخ الشعب ومعاناته الفقر واللجوء والخوف والموت والوقوع أسرى معادلات خطرة، فلا أحد يستطيع أن يحسم الحرب للفوز بكل السلطة، ولا أحد يريد أن يخسر سياسياً وإن تراكمت الخسائر العسكرية، ولا فرصة لتسوية سياسية بين الطرفين كانت ولا تزال مفتوحة في جدة، ولا قدرة لأي دولة بينها أميركا والصين وروسيا، أو للأمم المتحدة أو لمنظمة الوحدة الأفريقية أو للجامعة العربية على دفع العسكر إلى التخلي عن السلطة وإعادتها إلى المكون المدني صانع الثورة الذي انقلب عليه الجنرالان حينما كانا شريكين.

ولا صدقية للطرفين، فلا هموم البرهان، كما يقول، تسليم الحكم إلى القوى المدنية من خلال انتخابات لا موعد لها، ولا ما يشغل دقلو هو تكريس الديمقراطية في السودان، و”الطرفان المتحاربان لا يصلحان للحكم” كما قال السفير الأميركي في الخرطوم جون غودفري وقامت عليه القيامة لأنه أصاب الحقيقة.

وقوات “الدعم السريع” التي وصفها البرهان أمام الأمم المتحدة بأنها “ميليشيا إرهابية إجرامية” وطالب بوضعها على لائحة المنظمات الإرهابية ثم اعترف للمرة الأولى بعد أربعة أعوام بأنها تولت فض الاعتصام بالقوة أمام القيادة العامة، كانت شريك الجيش في الانقلاب على المكون المدني بعد الثورة على البشير، وقبل ذلك في خدمة المشروع الإسلامي السياسي الذي عمل له البشير وصار عبئاً عليه، فوجب إخراجه من السلطة.

وهما معاً شاركا في قمع المعارضة، وهما معاً بالفعل من إنتاج البشير قبل مرحلة الجنجويد وبعدها، والطرف الذي يرى في الحرب فرصة لعودة الحكم الإسلامي هو أنصار البشير الذين يقاتلون إلى جانب الجيش ضمن “كتيبة البراء بن مالك”.

وليس أخطر من السطو على الثورة ثم السلطة سوى تشويه سمعة الثوار من المكون المدني والادعاء بأنهم لا يمثلون كل السودانيين قبل تشويه صورة الثورة بما يحول دون التفكير بالعمل على تجديدها، والأخطر منهما هو دفع السودان وشعبه الطيب إلى مصير مجهول، حرب مستمرة وتقاسم جغرافي وتقسيم واقعي وتسلط ميليشيات لا تزال قوية، لا سيما في دارفور وكردفان، وفقر وجوع في البلد المهيّأ بحكم الطبيعة لأن يكون “سلة الغذاء” للعالم العربي والبديل عن الاتكال على القمح الأميركي والأوكراني والروسي، فضلاً عن ترك البلد ساحة مفتوحة بلا سياج أمام القوى الإقليمية والدولية الراغبة في النفوذ والأدوار والسيطرة على الموارد الطبيعية وتوظيف المواقع الاستراتيجية في الصراعات الجيوسياسية من دون حساب للناس.

لا بلد يستحق هذه المحنة، وفي الطليعة السودان، وما ينطبق عليه هو قول برتولد بريشت “البلدان التي تحتاج الى أبطال ليست محظوظة”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى