تراجع غير مسبوق في سعر صرف العملة السورية… فهل انزلق “المركزي” الى السوق السوداء؟

النشرة الدولية –

لبنان 24 – هتاف دهام

ظن كثيرون بعد عودة سوريا إلى الحضن العربي عقب ترتيب العلاقات بين دمشق والرياض، أن من شأن هذا المشهد السياسي الجديد أن ينعش الإقتصاد رويدا رويدا وسط حديث عن استعداد الدول الأوروبية لتطبيع العلاقات التجارية مع سوريا، إلا أن هذه الآمال خابت. فالأزمات الإقتصادية والمالية والنقدية تتفاقم والوضع الإقتصادي يشهد تدهوراً كبيراً يتمثل بتراجع سعر وقيمة الليرة السورية المستمر إضافةً الى التضخم الهائل الذي يضرب المجتمع السوري حيث ترجم هذا الموضوع بارتفاع هائل في اسعار السلع والخدمات وغلاء جامح يضرب كل القطاعات .

لقد شهدت الاسابيع الأخيرة تراجعاً غير مسبوق في سعر صرف العملة السورية أمام العملات الأجنبية رغم كل المحاولات الحثيثة التي يقوم بها المصرف المركزي السوري لكبح جماح التدهور وإيقاف عجلة الانهيار عن الدوران، علماً بأن الإقتصاد السوري وسياسات إدارة الشأن الإقتصادي السوري تفرض ضوابط كثيرة على حركة المصرف المركزي السوري وطريقة التعامل بالعملات الأجنبية في سوريا، يقول الخبير الاقتصادي والمالي بلال علامة ل “لبنان24”.

 

لقد ذكر الدستور السوري أن الإقتصاد السوري هو إقتصاد إشتراكي مخطط، كما حدد ثلاثة أنواع من الملكية:

1- الملكية الجماعية 2- الملكية العامة للشعب 3- الملكية الفردية

وحدد القانون الدستوري السوري الوظيفة الإجتماعية للملكيات الثلاث أنها في خدمة الإقتصاد القومي للقطر السوري وفي إطار خطة التنمية بحيث لا يجوز أن تتعارض في طرق استخدامها مع مصالح الشعب والمجتمع. لقد أدخلت الحكومة السورية على مر السنوات مجموعة من التعديلات والإصلاحات التي حولت النظام الإقتصادي الى نظام إقتصاد السوق الإجتماعي بكل ما يتضمنه نظام السوق الإجتماعي من تناقضات ومطبات. وهنا يقول علامة إن النظام الإقتصادي السوري أصبح يعاني من حالة فصام وإنفصام بين هويته الإشتراكية بحكم الدستور وحركته الرأسمالية بحكم الواقع. ففي التعديلات المتكررة التي فرضتها الحكومات السورية وآخرها عام 2012 تم إعطاء مساحة كبيرة للقطاع الخاص مقابل إلغاء صفة الإشتراكية عن الإقتصاد السوري دون تحديد إطار جديد أو شكل جديد للنظام الإقتصادي.هذه التعديلات فتحت الباب وشرعته أمام فئة صغيرة من النافذين استفادت من فرصة التحكم بكثير من القطاعات الإنتاجية في سوريا وبحركة التجارة والإستيراد والتصدير فتحول عملها إلى إحتكار قلة وشكل من أشكال المضاربة على الإقتصاد السوري ومصلحة المجتمع السوري.

 

وفي هذا الشأن، يجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين السوريين على أن ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية كان متوقعا و هو أمر حتمي و واضح من قبل 9 شهور، ومرده أسباب عديدة منها:

وضع سقف للتحويلات المالية.

هروب رؤوس الأموال بالدولار للخارج.

تقييد الاسواق فضلا عن عدم إيداع الأموال وبالليرة السورية في المصارف.

التوجه نحو إدخار الأموال بالدولار والذهب في المنازل.

 

وبحسب الخبير المالي والاقتصادي السوري جورج خزام فإن هذا الانخفاض سوف يترك أضرارا جسيمة على الإقتصاد الوطني ويتمثل أبرزها في:

1- تراجع القوة الشرائية للمدخرات وللإحتياطيات النقدية بالليرة السورية الموجودة في المصارف و البيوت.

2- المزيد من تراجع القوة الشرائية للرواتب الضعيف.

3- عدم تحقيق اي جدوى حقيقية من أي محاولة لزيادة الرواتب لرفع القوة الشرائية للرواتب الضعيفة

4- إرتفاع كبير بالأسعار للبضائع الوطنية والأجنبية

5- تصبح القروض الممنوحة من البنوك بالليرة السورية بمثابة خسائر برسم التحصيل مع تراجع القوة الشرائية للأقساط المستحقة

5- حصول حالة من الهلع بأن هنالك المزيد من إرتفاع سعر صرف الدولار

مما يؤدي لزيادة الطلب و المزيد من إرتفاع سعر الدولار

6- كساد كبير بالأسواق مع تراجع القوة الشرائية لليرة السورية ومعه المزيد من البطالة.

7- قيام التجار بشراء الدولار وتخزينه أكثر من شراء البضائع وتخزينها خوفاً من تراجع الطلب والكساد الذي يترافق مع إرتفاع الأسعار.

8- خسائر مالية كبيرة للبضائع و السيارات والعقارات التي يكون سعرها بالليرة السورية ولا يوجد إمكانية لرفع سعرها بنفس إرتفاع الدولار.

8- زيادة الأعباء والنفقات الحكومية بالليرة السورية و عدم القدرة على تنفيذ المشاريع الحكومية.

9- الحاجة لطباعة المزيد من الأوراق النقدية بفئات عالية لحل مشكلة تداول كميات كبيرة من الاوراق النقدية ومعه المزيد من التضخم النقدي.

 

 

وفي الآونة الأخيرة جدد الرئيس السوري المرسوم التشريعي رقم 3 الصادر عام 2020 الذي يحظر التعامل بأي من العملات على الأراضي السورية مع تشديد العقوبات في تجديد المرسوم مما جعل إمكانية حصول سوريا على عملات أجنبية شبه مستحيل أو صعب الى أقصى الحدود. وتجدر الإشارة، إلى أن سوريا ومنذ العام 2012 تعتمد، وفق قراءة الدكتور بلال علامة، في رفع قيمة صادراتها لإستجلاب العملة الأجنبية على قطاعي النفط والغاز التي يتم استخراج الجزء الأكبر منها من مناطق الشمال والشمال الشرقي لسوريا وهذه المناطق ما زالت خارج سيطرة الحكومة السورية أي بمعنى أن النظام الإقتصادي السوري ما زال خاسراً للشريان الأهم الذي يؤمن التدفقات المالية بالعملات الصعبة والأجنبية.

 

وعلى صعيد الحركة الإقتصادية فإنها تقسم، بحسب علامة، إلى قسمين: قسم تديره الحكومة السورية وهو حالياً مترهل.

وقسم يديره القطاع الخاص وهو نشيط وفاعل. وتجدر الإشارة إلى أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي السوري هي بحدود 65 % وهو رقم كبير جداً نسبة لحجم الإقتصاد السوري ويعني بكل بساطة أن العملات الأجنبية والنقد الأجنبي هو في يد ومتناول القطاع الخاص الذي تستحوذ عليه فئة معينة تتحكم بحركة الإقتصاد السوري مما دفع بالمصرف المركزي السوري الى الإنزلاق إلى السوق السوداء في محاولة منه للحصول على النقد الأجنبي وإعادة تغذية الخزينة السورية بما تيسر من عملات أجنبية، خاصة وأن المساعدات الأجنبية والعربية بقيت لسنوات ما بين العام 2000 والأعوام 2010 تشكل الرافد الأساسي لسوريا بالعملات الأجنبية، وهذه المساعدات والقروض توقفت بالكامل بعد بدء الأزمة السورية ع وبالتالي توقف ضخ العملات الأجنبية المتأتية من المساعدات والقروض وخسرت سوريا إيرادات القطاع النفطي وقطاع الغاز وبالتالي أصبحت محرومة من النقد الأجنبي.

هذه الحالة تركت آثارها ونتائجها تدهوراً غير مسبوق في سعر الليرة السورية في مقابل العملات الأجنبية ولا يمكن وقف هذه الحالة، وفق علامة، إلا بتعديلات جذرية تعيد هيكلة الإقتصاد السوري من خلال إعطائه هوية إقتصادية جديدة واضحة تتماهى من خلالها الدولة السورية مع مقتضيات العصرنة والعولمة والانفتاح.

زر الذهاب إلى الأعلى