إيران وانتخابات الرئاسة اللبنانية
طوني فرنسيس

طهران تعمل لتكرار "انتصار" 2016 على رغم المتغيرات الإقليمية والدولية

النشرة الدولية –

لا شيء يسمح بالاعتقاد بأن إيران غيرت أو أنها ستغير نظرتها إلى لبنان كأحد ساحات محور “المقاومة” وكمنصة متقدمة لحرسها الثوري وصواريخه وعناصره على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في محاذاة دولة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية والغرب.

عملت إيران بدأب منذ عام 1982 للفوز في لبنان، فأنشأت الميليشيات التي ستعرف باسم “حزب الله” ودربتها وسلحتها، وخصصت لها موازنات سنوية بمليارات الدولارات، قبل أن يجعلها الغزو الأميركي للعراق عنصراً حاسماً في بلاد الرافدين وقبل أن تتحول إلى قوة فاعلة في سوريا دفاعاً عن النظام.

وكان لبنان القاعدة الإيرانية الأولى والأبرز قبل العراق وسوريا، وبالطبع قبل استيلاء الحوثيين أنصار طهران على العاصمة صنعاء، ووظفت سلطات طهران حزبها اللبناني في دعم نفوذها في كل تلك البلدان المذكورة، فكان “حزب الله” حاضراً ولا يزال في العراق، ومدرباً وموجهاً في اليمن، وجيشاً مقاتلاً في سوريا.

وتضخم دور “حزب الله” إلى حد وصف القادة الخمينيين له بأنه “درة التاج” الإيرانية، والتعامل مع قائده حسن نصرالله كأحد رموز الدولة والثورة، وليس كمجرد زعيم تنظيم أجنبي موال.

لكل ذلك تقف إيران خلف “حزب الله” في كل ما يقرر في شأن لبنان، ليس لأنه حزب مستقل يتمتع بثقتها، بل لأنه الأمين على تنفيذ سياستها بوصفه جزءاً من المؤسسة الأمنية والدينية الإيرانية.

في معركة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية لا فرق بين ما يفعله “حزب الله” وما يمكن أن تقوله إيران. هي أصلاً لا تقول كثيراً وتكتفي بالوقوف خلف الحزب وتكرار الصيغة المعروفة عن دعم اتفاق “الأشقاء اللبنانيين”، لكنها تكون سباقة في قطف الثمار وإعلان الفوز بل النصر على “الخصوم” الإقليميين والدوليين.

لا يمكن تصور تعامل إيران راهناً مع المعركة الداخلية في لبنان بطريقة مختلفة عن تعاملها معها عام 2016 عندما طال الشغور الرئاسي عامين ونصف العام ولم ينته إلا بعد تنصيب مرشح “حزب الله” ميشال عون رئيساً.

كانت طهران أسرع دول العالم في الترحيب بعون. المتحدث باسم خارجيتها بهرام قاسمي سارع إلى تهنئة الشعب اللبناني بـ”الخطوة المهمة التي ترسخ الديمقراطية وتضمن استقرار لبنان”. واعتبر مستشار المرشد علي أكبر ولايتي أن “انتخاب ميشال عون يظهر دعماً جديداً للمقاومة الإسلامية، وهذا بالتأكيد انتصار للسيد حسن نصرالله”، وفي السياق نفسه رأى الرئيس حسن روحاني أن مجيء عون هو “انتصار للمقاومة”.

كانت صحافة النظام أكثر وضوحاً، فكتبت “كيهان”، صحيفة المرشد، في صدر صفحتها الأولى “نصر حزب الله التاريخي في لبنان” وفي الافتتاحية رأت أن انتخاب عون “أظهر أن تيار المقاومة بقيادة نصر الله هو التيار الأساسي المؤثر في لبنان”.

الصحف الأخرى لم تكن أقل وضوحاً، إذ كتبت صحيفة “وطن أمروز” عنواناً عريضاً “خسارة السعودية” وتحته زعمت أنه “فشلت كل مؤامرات سعد الحريري والإرهابي سمير جعجع في مواجهة ميشال عون المدعوم من حزب الله… وانتصر حزب الله”، ورأت “جوان” صحيفة “الحرس الثوري” أن لبنان هو “عبارة عن شرق أوسط مصغر… وانتخاب عون انتصار عظيم لحزب الله” الذي “فرض إرادته بقوة”، بحسب “كيهان”.

“انتصار” إيران في لبنان، وعليه، جاء في نهاية ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما وقبل أربعة أيام من فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية. كثيرون كانوا راهنوا على أن الاتفاق النووي الموقع قبل عام سيجعل إيران تميل إلى تسويات في لبنان والمنطقة، لكن الوقائع أثبتت العكس. أطلق الاتفاق يدها في الإقليم من صنعاء إلى بغداد، وجعلها أكثر تمسكاً بنهجها الأساسي، نهج التمدد المذهبي وتوسيع النفوذ الذي سيأخذ شكل اعتداءات عسكرية وأمنية خطرة في الأعوام اللاحقة.

حرصت إيران، ولا تزال، على الفصل بين الاتفاق النووي وسياستها الإقليمية، وليس لنا أن نتوقع تغييراً كبيراً تفرضه اتفاقات جديدة أو قديمة، فموضوع تصدير الثورة المذهبية بهدف التمدد الإقليمي ثابت بمعزل عن التطورات الأخرى، وإذا اقتضت تطورات مثل الاتفاقات الثنائية الإقليمية والدولية، مع أميركا مثلاً، إجراء تنازلات في نقاط النفوذ، فلن تتعدى هذه التنازلات في الظروف القائمة شؤوناً شكلية، نظراً إلى النهج الأميركي في التعامل مع إيران على قاعدة الإعلان عن الانسحاب من المنطقة ومواصلة التفاوض معها تحت سيل من أحاديث مكررة عن وضع “الخيارات” على الطاولة، ليتبين أن خياراً أساسياً يجري اعتماده وهو التواصل السري عبر مسقط والدوحة وعواصم أخرى.

تفضل إيران هذه “الخيارات” على توافقات تفرض عليها تغييرات في برنامجها “الثوري الإقليمي”، وهي كالعادة ستستعمل نقاط نفوذها كورقة تفاوض لحل مشكلاتها الخاصة وتسعى كي لا تقدم في المقابل أي تنازل أو تسهيلات لحل المشكلات العامة ومنها مشكلة أزمة السلطة في لبنان.

كتبت مجلة “فورين أفيرز” أخيراً أن “لا شيء في السياسة الإيرانية يشير إلى أنها تنوي أن تكون جارة جديدة على المدى الطويل، وتشير أدلة كثيرة إلى أنها تهدف إلى استعادة دورها كقوة عازمة على تأمين الهيمنة الإقليمية”.

إشارات كثيرة تدعم هذا الرأي. من لبنان حيث تتعقد الأمور، إلى اليمن حيث تتعثر التسوية، إلى الخليج حيث تلجأ إيران إلى مناورات عسكرية ضخمة في جزر الإمارات المحتلة وترفع الصوت في وجه حق السعودية والكويت بنفط وغاز حقل الدرة.

لا توحي طهران بذرة تنازل عن طموحاتها في “غرب آسيا”. ولبنان “الشرق الأوسط المصغر” هو نموذج لما تريده في جهات أخرى، وسلاحها لتحقيق ذلك هو حزبها الذي احتفلت بانتصاره في معركة الرئاسة اللبنانية عام 2016 وتسعى إلى تكريس هذا الانتصار العام الحالي.

تقف إيران في الوضع الراهن وراء خيارات “حزب الله” الرئاسية التي لم تتوافر لها الشروط والقوى التي سمحت بفوز الحزب في رئاسيات 2016 بسبب طبيعة تركيب المجلس النيابي الجديد وغياب كتلة الحريري عنه وتغير موازين القوى في داخله.

إزاء ذلك بدأت تظهر بوادر “اهتمام” إيراني مباشر بمسار التطورات اللبنانية بدلاً من الاختفاء خلف ستار “حزب الله”.

ولمناسبة اجتماع اللجنة الخماسية العربية والدولية في الدوحة للبحث في الوضع اللبناني أبدت إيران رغبة ضمنية في الانضمام إلى هذه “الخماسية”، ولم يمانع المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني في أي تواصل في هذا الشأن، إلا أن ما صدر عن الاجتماع وتركيزه على أولوية انتخاب الرئيس من دون الإشارة إلى مطلب الحوار الذي يرفعه “حزب الله” أثار غضبه على “الإملاءات الخارجية” وكشف جانباً من الرغبة الإيرانية في الدخول المباشر على خط ترتيب الوضع الرئاسي اللبناني.

ويشرح الكاتب السياسي الإيراني سيد عماد حسيني في صحيفة “اعتماد” (المصنفة إصلاحية) أن “فرنسا ومبعوثها الخاص جان إيف لودريان غير جادين في حل الأزمة، وخطة لو دريان الحالية الوحيدة هي الإصرار على عقد لقاء حواري بين الأطراف اللبنانيين تحت المظلة الدولية لتمرير الأزمة، “لكن هذا بعيد كل البعد من الاتفاقات الإقليمية والمصالحة والجهات الدولية” يخلص الحسيني. يفهم من التحليل الإيراني حجم الاستياء من التحرك الفرنسي والرغبة في إدراج لبنان ضمن سلة التفاوض الإيرانية إقليمياً وأوروبياً وأميركياً، وفي هذه المرحلة وكما في مرات سابقة تستعرض إيران قواها وأذرعها سعياً إلى تحقيق أهدافها الخاصة ومن دون تنازلات مقابلة، مما يعني إطالة أمد الأزمة في لبنان وفي غيره من دول المحور المأزومة.

في هذا السياق تنبغي مراقبة السياسة الإيرانية في الخليج والإقليم عشية ثلاث محطات مهمة:

الأولى في الثامن من أغسطس (آب) الجاري عندما تنتهي “الرخصة الأميركية 23” الخاصة بالسماح بإدخال المواد إلى سوريا بعد زلزال فبراير (شباط) الماضي. وسيبنى على السلوك الأميركي بعد انتهاء هذه “الرخصة” كثير من التقييمات التي ستأخذها إيران ودول أخرى معنية بالوضع السوري في الاعتبار.

المحطة الثانية، الاجتماع المفترض بين وزراء خارجية المجموعة الخليجية وإيران في الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل.

والمحطة الثالثة حلول “يوم الانتقال” مع انتهاء صلاحية عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران في الـ 18 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وستذهب إيران إلى تلك المحطات مسلحة بسياسة هجومية لم تتغير وأوراق نفوذ إقليمية صالحة للاستعمال.

زر الذهاب إلى الأعلى