العدالة المناخية ومستقبل العالم
د. سالم الكتبي

النشرة الدولية –

لا يخفى على أحد حجم الدعم والجهود التي تبذلها دولة الإمارات وغيرها من دول مجلس التعاون من أجل إنجاح أجندة العالم في مؤتمر “كوب 28” ومواجهة تداعيات التغير المناخي الذي يمضي بوتيرة متسارعة للغاية تفوق التوقعات. أبجديات الأزمة تشير إلى مسؤولية الدول الصناعية الكبرى عن تفاقم الاحتباس الحراري، وبالتالي مسؤوليتها عن الأوضاع والتداعيات التي يدفع فاتورتها العالم أجمع، وبالتالي من الصعب أن يتحدث البعض في الغرب عن مسؤولية الدول النفطية في مساعدة الدول الفقيرة على مكافحة تغير المناخ لمجرد أن هذه الدول قد استفادت من الطفرة غير المتوقعة التي شهدتها أسعار النفط العام الماضي!

مؤخراً، قال رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون إنه يجب على الدول النفطية الغنية في العالم أن تدفع ضريبة عالمية لمساعدة الدول الفقيرة على مكافحة تغير المناخ، وأضاف أن دولاً مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وقطر والنرويج استفادت من الطفرة السعرية التي حدثت العام الماضي.

الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش قال في حديثه أمام قمة “الطموح من أجل المناخ” التي عقدت الأسبوع الماضي في نيويورك إن زعماء العالم لا يبذلون سوى جهوداً محدودة للغاية للحد من انبعاثات الكربون، ودعا أكبر الدول المصدر للانبعاثات في العالم إلى الاتفاق على ميثاق تضامن مناخي لخفض الانبعاثات ودعم الاقتصادات الناشئة، وهذا يعني أن الدول الكبرى لا تزال بعيدة عن الأهداف التي رسمها “اتفاق باريس”، وأن الأهداف المناخية لا تزال بعيدة صدارة أولويات الدول الكبرى وصانعي القرار في الدول المسؤولة عالمياً سواء عن صناعة أزمة الاحتباس الحراري، أو عن البحث عن سبل لمعالجتها.

يقول براون إن “هذه الدول المنتجة (للنفط) لم تفعل شيئاً حرفياً لجني هذه المكاسب غير المسبوقة ( أكد براون في تصريحه ذاته أن إيرادات النفط والغاز العالمية ارتفعت من 1.5 تريليون دولار قبل وباء “كوفيد” إلى 4 تريليونات دولار)، إنها تمثل واحدة من اكبر عمليات تحويل الثروة على الإطلاق من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية”، وهذا التفكير الأحادي يمثل أحد مظاهر وأسباب المعضلة الكبرى التي يعانيها العالم في الوقت الراهن، فالتنصل من مسؤولية الأزمة وتفتيتها والقفز على الأسباب والتعاطي فقط مع النتائج لا يعد تفكيراً جيداً للوصول إلى حلول وتفاهمات مفيدة للجميع في قمة “كوب 28”.

المعضلة أن حديث رئيس الوزراء البريطاني السابق وغيره يتنافر مع مطالبات كثيرة بالتخلص من الوقود الأحفوري، وهناك جدل دولي واسع بل وانقسامات حادة حول دور صناع الغاز والنفط في مكافحة التغير المناخي، لدرجة أن الخلافات التي شهدتها الاجتماعات المناخية الدولية في نيويورك وغيرها مؤخراً قد فرضت تحدياً نوعياً كبيراً على مؤتمر “كوب 28” التي سيعقد بالامارات نهاية نوفمبر المقبل في التوصل إلى بهذا الشأن، ولكن النقطة الأهم في ذلك كله أن هناك ملّحة بل وبالغة الالحاح تتعلق بضرورة رأب الخلافات وجسر الهوة القائمة حول سبل العمل دولياً بشكل متناسق لتحقيق الأهداف المناخية.

الدول المنتجة للنفط ومنها المملكة العربية السعودية والامارات، من أكثر الدول دعماً لخطط ومشروعات الانتقال لأنظمة الطاقة الخضراء، ومن أكثر مستثمري هذا القطاع حماساً وتطلعاً لإحداث تقدم كبير فيه، وعلينا ألا نحصر الحديث عن الوقود الأحفوري في هذه الدول، فهناك شركات دولية ضخمة لها مصالح كبرى وهناك ظروف عالمية لم تنضح بعد للانتقال الطاقي الكامل، وقد رأينا كيف تسببت الحرب في أوكرانيا في تزايد الاعتماد على الطاقة التقليدية وارتفاع الأسعار، وبالتالي فالأوضاع الراهنة تتطلب رؤى دولية متوازنة وطروحات ومقاربات موضوعية لا تنطلق من التنصل من المسؤولية والقائها على الآخر، ولا الدعوة إلى خطوات متسرعة للتخلي عن الوقود الأحفوري وغير ذلك من حقاق ثابتة لا يمكن تجاهلها مثل أمن الطاقة وغير ذلك.

أساس المشكلة أن هناك فجوة لا يمكن انكارها في تمويل الخطط المناخية، وهناك تجاهل ملحوظ لهذه الخطط في ميزانيات الدول الصناعية الكبرى المسببة لأزمة الانبعاثات الكربونية، ولكن لا يمكن أن يستمر العالم في تجاهل الأسباب الحقيقة الأزمة مع ما يتطلبه ذلك من ضرورة تحملهم لمسؤولياتهم، ومواصلة البحث عن فواعل آخرين لحل الأزمة، ومن ذلك الحديث عن عوائد الدول المنتجة للنفط وانكار دورها في ضمان أمن الطاقة العالمي، ولا يخفى على أحد دور الإمارات في حشد الجهد الدولي لمساعدة الدول المتضررة من التغير المناخي، وتسريع عملية التحول الطاقي والاقتصاد الأخضر. وبخلاف الانضمام إلى الاتفاقات الإطارية الدولية بشأن التغيّر المناخي، فإن الإمارات هي أول دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعلن عن هدفها الخاص بتحقيق الحياد المناخي، في مدة أقصاها عام 2050.

“كوب 28” هو فرصة ثمينة للعالم لتحقيق تقدم نوعي في أجندة المناخ، والإمارات تسعى بقوة لأن تكون القمة مؤتمراً تنفيذياً وليس لإعلان التعهدات الدولية فقط، وتعمل على حشد الجهود الدولية والاستثمارات وسط أجواء دولية معقدة وصعبة للغاية بسبب تداعيات حرب أوكرانيا، وبالتالي ليس من المنطقي الحديث من منظور أحادي، أو تحميل المسؤولية على طرف دون الآخر، في وقت يتطلب تكاتفاً وتضامناً دولياً في مواجهة ظاهرة تهدد الجميع بوتيرة تسارع غير مسبوقة.

زر الذهاب إلى الأعلى