إيران وتركيا والراية الفلسطينية
طوني فرنسيس

اجتماع وزاري مهم في طهران يتجاهل الحرب الإسرائيلية على غزة

النشرة الدولية –

كان لافتاً للانتباه أن يشهد الأسبوع الثالث من الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة سلوكين متمايزين من دون افتراق في المضمون من جانب دولتين إقليميتين تقدمان نفسيهما نموذجاً طليعياً في تبني القضية الفلسطينية وخدمتها.

السلوك الأول إيراني والثاني تركي، في حالة طهران يبدو أن ” الصبر الاستراتيجي” في طريقه إلى التحول عبئاً ثقيلاً، وفي حالة أنقرة استدارة فلسطينية مستجدة كأنها محاولة مبكرة لوراثة الخطاب الإيراني.

الدولتان الإقليميتان الأكبر على تخوم العالم العربي، تختلفان في سوريا والقوقاز وتتنافسان على النفوذ في المشرق العربي وآسيا الوسطى وتتخذان من فلسطين عنواناً، لكن عندما أتيحت لهما فرصة قول شيء عن فلسطين في محنتها امتنعتا عن البوح المشترك.

مطلع الأسبوع الماضي التقى في طهران لبحث النزاع الأرميني- الأذربيجاني وزيرا خارجية الجانبين، الإيراني والتركي، إضافة لوزير الخارجية الروسي، وفي الاجتماع الذي أعقبته وسبقته لقاءات الوزراء مع كبار المسؤولين الإيرانيين، تم التوصل إلى اتفاق على تخفيف التوتر في الشمال الإيراني، بين أذربيجان وأرمينيا، وصدر عن المجتمعين بيان من تسع نقاط، عرض عديد من العموميات، لكنه لم يشر إلى الخلاف على الممر الأذري- التركي زانجيزور الذي سبب توتراً وهياجاً شديدين في طهران.

قال الشركاء الروس إن إيران تجاهلت هذا الموضوع كلياً خلال الاجتماعات، وفسروا ذلك بأنه محاولة منها لعدم التصادم مع باكو وأنقرة. مع باكو لأنها تقيم علاقات متينة مع إسرائيل في الوقت الذي تتحالف فيه مع تركيا، ومع تركيا لأنها شريكة لأذربيجان وفي الوقت نفسه عضو فاعل في حلف الأطلسي الذي تعتبره إيران خصمها وعدوها.

لم يضف بيان العموميات القوقازية شيئاً غير إبداء النوايا الطيبة في شأن الحرص على علاقات حسن الجوار، لكنه أغفل بشكل فاقع تناول الحرب في غزة، تلك الحرب التي تعتبر إيران نفسها وصية فيها على الفلسطينيين، وتسعى تركيا لأن تكون من جهتها رأس حربة في الدفاع عن “حماس”.

اكتفى بيان طهران في بنده الثامن بهذه الصيغة، “كما ناقشوا (وزراء إيران وتركيا وروسيا وأذربيجان وأرمينيا) الوضع في غزة وشددوا على ضرورة الوقف الفوري لاستهداف المدنيين الأبرياء”. انتهى النص!

لم يكن مفهوماً أن ينتهي لقاء من هذا النوع، في طهران بالذات، وبعد مجازر مستمرة ومدوية في غزة، إلى هذه الصيغة التي لا تقبل بها دولة تونغا!. ومع ذلك صيغ البند في طهران على يد وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان وزميله التركي هاكان فيدان، ومشاركة فاعلة من الروسي سيرغي لافروف ممثل الصديق الأكبر للحكومتين التركية والإيرانية!

بدا من سرعة ترتيب اللقاء القوقازي، والخلاصة التي توصل إليها، أن ما يهم إيران ليس مأساة الفلسطينيين بل أمنها وأمن نظامها عشية رسالة تحذير من الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المرشد علي خامنئي أعقبتها غارات أميركية على مواقع للحرس الثوري في سوريا.

جاء الاجتماع الخماسي فرصة لترطيب الأجواء مع جيران إيران الشماليين تحسباً لتطورات تجعل من أذربيجان، حليفة تركيا، منصة إسرائيلية أو أطلسية للهجوم ضد طهران، خصوصاً أن باكو تتمتع بعلاقات خاصة مع إسرائيل على المستويين الدفاعي والاستخباري.

في الواقع أسهمت معركة غزة بنهاية أسبوعها الثالث في كشف الموقف الإيراني المرتبك الذي لا يرتفع إلى مستوى الخطاب عن محور المقاومة ووحدة ساحاتها، وبينت المعركة أن العنوان الفلسطيني ورد الفعل عليها ليس سوى شماعة لسياسة الملالي، تستخدم لتعزيز النفوذ الإيراني في المحيط العربي عبر الميليشيات المذهبية من جهة، ولتوطيد السلطة الدينية في الداخل في وجه الاحتجاجات والاعتراضات التي تهدد في كل لحظة بالتحول إلى ثورة عارمة ضد النظام، من جهة أخرى.

لا شك أن تركيا تراقب هذا السلوك بدقة، وهي إزاء “المأزق” الإيراني في معركة الشرق الأوسط التاريخية، ستبحث عن ملء فراغ أحدثه الهجوم الغربي والانكفاء الفارسي. كانت أنقرة حاولت لعب هذا الدور سابقاً، بعد محاولة السفينة التركية “مافي مرمرة” كسر حصار غزة وتعرضها لهجوم دموي إسرائيلي (2010)، ثم عندما انخرطت “حماس” في خلاف مع النظام السوري والتحقت بالركب التركي الإخواني.

في تلك السنوات اختلفت تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان مع إسرائيل وتوترت علاقاتهما الدبلوماسية طويلاً، لكن “حماس” عادت إلى تعزيز علاقتها مع طهران، وفي الموازاة استأنفت تركيا وإسرائيل اتصالات التطبيع لبث الدفء في تلك العلاقات مجدداً ابتداءً من عام 2022.

لم يحصل ذلك صدفة فتركيا التي تواجه إيران في سوريا، وتواجه أزمة اقتصادية متفاقمة، حرصت على تحسين سياستها تجاه العالم العربي والخليج خصوصاً، وأتاحت لها الحرب الروسية- الأوكرانية فرصة الظهور بمظهر الوسيط الذي لا غنى عنه، هي التي تزود أوكرانيا بمسيرات “بيرقدار” وتنظم لقاءات للمتخاصمين في إسطنبول وتنجح في تقديم صيغة ممر الحبوب لضمان وصول الإنتاج الزراعي الأوكراني إلى العالم.

بدا دور “الوسيط” الذي تعزز بعد حرب أوكرانيا مغرياً لأنقرة ذات العلاقات المرتدة شرقاً وغرباً. الروس يحتاجون إليه ومثلهم الأوكرانيون. وهي إذ تتمتع بثقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنها توطد علاقتها بحلف الأطلسي خصمه الاستراتيجي، ولا تتخلى عن سعيها إلى دخول الاتحاد الأوروبي عضواً أصيلاً.

يزعج ذلك موسكو لكنه يزعج طهران أكثر، ففي المعركة “العالمية” الدائرة على أرض فلسطين الآن تجد طهران نفسها في مواجهة شريك “غربي” و”إسلامي” هو الآخر، يتحدث مثلها عن فلسطين ويعمل لنزع راية القدس من يديها، هي التي بات واضحاً أنها لن تقدم في المعركة أكثر من خطابات وتصريحات الوزير عبداللهيان.

يجلس أردوغان منذ سنوات على أرجوحة تتحرك به بين “الأطلسي” و”الأمة الإسلامية”، أو كما جاء في تحليل لأصدقائه الروس (ايزفستيا)، استرخى “على كرسيين” بإعلانه الوقوف مع الفلسطينيين ومراعاته مصالح إسرائيل في الوقت نفسه”. وهو في هذا التوقيت يوقع قراره بقبول انضمام السويد إلى حلف الأطلسي في رسالة صداقة إلى أميركا والغرب، اللذين يتبنيان صراحة الهجوم الإسرائيلي، الذي يزداد شراسة على غزة وسكانها، ويحذران إيران من التورط وإلا فإنها ستكون مسؤولة عن تعميم “الإرهاب” في الشرق الأوسط وتتحمل النتائج.

انكفأت إيران كدولة حتى الآن عن التدخل المباشر في الصراع، وأبقت صواريخها المخصصة لـ”تحرير القدس” في مخازنها، وفي المقابل يصعد أردوغان لهجته تحضيراً “لإعلان إسرائيل مجرمة حرب” و”حماس” حركة تحرير لا “منظمة إرهابية” من دون أن يعني ذلك خلافاً مع إسرائيل! أمام البرلمان قالها أردوغان قبل أيام بوضوح، “لا مشكلة لتركيا مع دولة إسرائيل”، أما في التجمع الشعبي أمام مطار أتاتورك، نهاية الأسبوع، فلا بأس في تصعيد يوفر لتركيا لاحقاً دوراً تسعى إليه هو دور “الضامن” لتسوية قد تحصل بعد الحرب بما يوفر لها حضوراً مباشراً في غزة وربما أنحاء فلسطينية وإقليمية أخرى.

إنه طموح يستهدف الحضور الإيراني بطريقة ما، لكن إيران المربكة لا تزال تراهن على أيدي أذرعتها “الموضوعة على الزناد” كما أبلغ عبداللهيان محاوره في الإذاعة الأميركية نهاية الأسبوع الماضي. عبداللهيان الموجود في الولايات المتحدة أثار إعجاب صحيفة الأصوليين “خراسان” التي كتبت في صدر صفحتها، “تحذير إيراني لأميركا في نيويورك”!

الأذرع التي تهدد بها طهران موجودة لكنها، كما يبدو، لا تزال تنظر إلى الرأس فيتملكها التردد والانتظار وسط اختلال في الأولويات. هل تأتي فلسطين أولاً أم أن حماية النظام الإيراني تحتل المرتبة الأولى؟

عن هذا السؤال أجابت صحيفة “هم ميهن” الإصلاحية الإيرانية قائلة إن حرب غزة “أبرزت أن المواقف الخارجية المتطرفة هي ذريعة للقضاء على الخصوم الداخليين، أما مواجهة إسرائيل فاقتصرت على فتح باب التسجيل على موقع إنترنت والإعداد الإلكتروني لتحرير القدس”، على قول الصحيفة الإيرانية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com