نتنياهو عالق في غزة “حرب دون أُفُق”
اكرم كمال سريوي

النشرة الدولية –

الثائر  –

بات واضحاً أن حكومة نتنياهو المتطرّفة، كانت غارقة في أزماتها الداخلية، وكانت تعتقد أنها نجحت في التخلص من مشكلة قطاع غزة، عن طريق بناء جدار ذكي، سجنت خلفه أكثر من مليوني فلسطيني، وقسمت الفلسطينيين بين؛ سلطة محمود عباس المشلولة، في ضفة تم تفتيتها بالمستوطنات، وحماس المحاصرة في سجن غزة الكبير.

حتى أن الجيش الإسرائيلي الذي انشغل بقمع احتجاجات الفلسطينين، وحماية انتهاكات المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى، لم يُعدّ خطة عسكرية للتدخل في قطاع غزة، بل أكثر من ذلك، وضع جنوده في غلاف غزة، في حالة استرخاء تام، وتفرّغوا لإقامة الاحتفالات والرقص، بدل التدريب على خوض المعارك والقتال.

هذا مكّن حماس من توجيه صفعة لحكومة نتنياهو وجيشه، في 7 اكتوبر الماضي، واليوم بعد أكثر من 42 يوماً من القتال، تبدو الحكومة الإسرائيلية مُحاصَرة، والجيش عاجز عن تحقيق الأهداف، التي وضعتها له حكومة، تريد إنقاذ نفسها، على أشلاء سكان غزة المدنيين، و جثث جنود الاحتلال، على السواء.

بلغ عدد قتلى الجيش الإسرائيلي الذي سُمح بالتصريح عنهم 372 فتيلاً، لكن الجميع يعلم أن العدد الفعلي للقتلى أكثر من ذلك بكثير، والأهم أن إسرائيل لم تُلقِ القبض بعد ،ولو على عدد قليل من مقاتلي حماس، ولم تقضِ على قادتها، ولا نجحت في تحرير الرهائن، أو بعضهم، ولو بالتفاوض، الذي ما زال رهن شروط حماس.

لا شك أن إسرائيل تملك قدرات عسكرية كبيرة، بالمقارنة مع مقاتلي حماس، خاصة في سلاح؛ الجو، والمدفعية، والبحرية، والدبابات والعربات المدرعة، وهذا يسمح لها بابادة احياء ومدن بكاملها، واختراق أقوى خطوط الدفاع، وهي نجحت في التوغل في عدة مناطق شمالي قطاع غزة، وتحاول الآن تقطيعه وتقسيمه إلى مناطق صغيرة، ليسهل عليها احتلالها والدخول إليها.

لا تعمل حماس وفق القتال الكلاسيكي للجيوش، بل تناور، وهي ستسمح للجيش الإسرائيلي بالتوغل داخل مدن وأحياء القطاع، أولا ًكي تتجنب تدمير هذه المناطق بواسطة الطيران والمدفعية، ثانياً كي تحوّل المعركة إلى عملية التحام وقتال متقارب،(وفق مبدأ عمليات المقاومة الشعبية)، فترجح كفة المعركة لصالحها، حيث ستكون لديها القدرة على مفاجأة قوات العدو، من أكثر من جهة ومكان، وفي نفس الوقت، تستطيع التخفي والاحتماء من نيران العدو.

اليوم بات الجيش الإسرائيلي يدرك هذه الحقيقة، فالدخول إلى غزة شيء، والبقاء فيها شيء آخر.

فعندما ينتشر جنوده داخل الأحياء الضيقة، ويخرج لهم مقاتلو حماس، وتدور الاشتباكات من مسافة صفر، ستحل الكارثة واللعنة على جنود الاحتلال، وسيكون عدد القتلى من الضباط والجنود أضعاف ما هو الآن.

يعلم قادة الجيش الإسرائيلي أنه يستحيل عليهم البقاء في قطاع غزة، ولكن يريدون تحقيق نصر معنوي، بالدخول إلى غزة، ثم إعلان وقف لاطلاق النار، لحماية جنودهم هناك من هجمات المقاومة، وثم بدء مرحلة التفاوض لتحرير الأسرى، التي ستجري وفق شروط حماس، ولا بد لإسرائيل من اطلاق سراح المعتقلين الفلسطينين لديها.

أما نتنياهو، فيبدو عالقاً في غزة، فهو غير قادر على ترحيل الفلسطينيين إلى سيناء، ولا يمكنه القضاء على حماس، والمغامرة في تطوير الحرب نحو جنوب القطاع، وإطالتها لأشهر عديدة، في ظل ما يحصل من تحولات، داخل وخارج إسرائيل، وكلها ليست في صالحه.

فالداخل الإسرائيلي يستعد للانقضاض عليه، وتحميله مسؤولية الفشل؛ الأمني، والعسكري، وثم السياسي، بالرضوخ لمطالب حماس والفلسطينيين.

اما الخارج فلقد نفذ صبره، وباتت صورة إسرائيل مشوّهة في كل دول العالم، ولم يعد بامكان بايدن وحلفاء نتنياهو في الغرب، ضبط الشارع، والاستمرار في تغطية جرائم إسرائيل وانتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني، وتتوسع يوماً بعد يوم حالة الغضب العارم، والدعوات إلى طرد سفراء إسرائيل من عواصم دول العالم.

والأسوأ من كل ذلك على نتنياهو، أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أظهر كل الدعم لإسرائيل، لكسب أصوات اليهود في الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة، يريد في نفس الوقت، التخلص من نتنياهو، وبالتالي يعلم الأخير أنه ستتم التضحية به في نهاية هذه الحرب، لأن مصالح أمريكا تتقدم على ما عداها، وهي تقتضي عقد اتفاقات مع العرب، واطلاق مسار السلام والتطبيع، وهذا غير ممكن دون إزاحة حكومة اليمين المتطرف، ونتنياهو شخصياً، وربما زجه في السجن، لتحسين صورة إسرائيل في العالم.

أمّا في غزة، فربما ما قاله الملياردير الأمريكي ايلون ماسك، هو الأصدق والأكثر تعبيراً عن الواقع، “فقتل مزيد من الأطفال والمدنيين في غزة لن يقضي على حماس” بل على العكس سيخلق جيلاً كاملاً، كابد وعانى هذا الظلم الإسرائيلي، وشاهد شلال الدم المتدفق، وفقد أعزّ ما عنده من أهله وأطفاله، وأخوته وأصدقائه، وبات مشحوناً بالكراهية لإسرائيل، وسيسعى دوماً للانتقام، حتى لو كلّفه ذلك حياته، التي باتت لا شيء، أمام ما حل بهم من فضائع وأهوال.

ومَن يملك قضية، ويرغب في تحرير وطنه من الاحتلال، ليس كمن جاء من أوروبا إلى فلسطين، طمعاً ببعض المال ومسكن ووظيفة، ولكنه ما زال يحتفظ بجواز سفره الأجنبي، ومستعداً لترك فلسطين، عند أول مواجهة مع خطر الموت.

يخطئ كل من يعتقد أن هذا الدمار والقتل الجماعي الذي تمارسه إسرائيل، سيجبر الفلسطينيين على الرضوخ والاستسلام، لا بل على العكس فالعنف لن يجلب سوى العنف، وإذا كان اليهود لم يستطيعوا حتى اليوم، نسيان المحرقة النازية، التي حلّت بهم منذ عشرات السنين، فكيف لهم أن يظنوا، أن الشعب الفلسطيني، سينسى بسرعة، هذه الابادة الجماعية والفضائع، وكل هذا الظلم، الذي يعانيه من قِبَل جيش إسرائيل، في الضفة وقطاع غزة اليوم!

زر الذهاب إلى الأعلى