تأثير التكنولوجيا في التجسس… ثاني أقدم مهنة بالعالم

تطور بصورة مطردة مع تبدل أشكال الصراع والاحتفاظ بالأسرار عنصر أساسي للاستمرارية ومواجهة المنافسين

النشرة الدولية –

اندبندنت عربية – نيرمين علي –

بدأت الجاسوسية مع بدء الصراعات الإنسانية كنشاط حيوي بارز، ومنذ اللحظة الأولى لظهورها تمحورت السمات الأساسية التي تحيط بها حول الغموض الذي حولها في ما بعد إلى حال لافتة شعبياً ترجمت إلى روايات أفلام درامية وبوليسية تخطف الأنفاس.

وفي حين نشأت اللغة في الأساس كوسيلة للتواصل، يبدو أن البشر العقلاء طوروها بصورة متنوعة بدءاً من الحصول على المعلومات وتخزينها لتتبع العلاقات الاجتماعية الدائمة التغير، مروراً بالنمائم وصولاً إلى التجسس كواحدة من أدوات إدارة الصراعات، بخاصة الاجتماعية منها. ومع الوقت أخذ مفهوم التجسس يمتد على نطاق أوسع دينياً وقومياً واقتصادياً، ويتطور مع تطور وسائل جمع المعلومات ونقلها وتحليلها.

لكن الحقيقة أن هذه الظاهرة شهدت تضخماً غير مسبوق خلال القرن الـ20 الذي طاولته تغيرات كبرى في المفاهيم على رأسها مفهوم القوة الذي تغير بصعود قيمة الاقتصاد كعامل قوة أول، بعد أن كانت تعتمد في ما مضى على القوة البشرية والعسكرية. ودعم هذا التضخم المناخ السياسي العالمي واشتعال الحروب وكثرة التوترات وتضخم الأجهزة واتساع نفوذها، بداية بحربين عالميتين أولى وثانية وانتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، وتخللتها حرب باردة أظهرت أعلى مراحل الندية من خلال التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الأسلحة والتقدم الصناعي وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي بين المعسكرين المتنافستن آنذاك، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، ومن هنا برزت بصورة واضحة كل من الجاسوسية الاقتصادية والتقنية اللتين لا تقلان فاعلية عن نظيرتيهما العسكرية والسياسية.

الجاسوسية عبر التاريخ

يرجع تاريخ الجاسوسية الاقتصادية إلى ما قبل التاريخ المكتوب، فمارسها وأشرف عليها ملوك الفراعنة وكهنة المعابد والتجار. وبحسب كتاب “الجاسوسية الاقتصادية”، شهد القرن الـ16 أولى عمليات تجسس اقتصادي منظم مارستها عائلة “فاغرز” التي كانت تقرض الملوك والدول الفقيرة، إذ امتلكت هذه الأسرة جهاز استخبارات مكوناً من مجموعة من العملاء زرعتهم في القصور الملكية، وكانت تحصل منهم على المعلومات التي مكنتها من بناء إمبراطورية مالية واستثمارية ضخمة في أوروبا كلها. كما تعد استخبارات روتشيلد الأعظم في القرن الـ19، إذ استطاع مالكو بنك “روتشيلد” بفضل ما توافر لهم من معلومات أن يستغلوا الظروف والأحداث لتضخيم ثرواتهم.

ومع الثورة الصناعية ولدت الجاسوسية التقنية التي تعد أبرز أمثلتها ما قام به رجل الأعمال الألماني جوهان بروكلمن عندما أنشأ مصنعاً لحلج القطن سرق فكرته من مصنع غزل في بريطانيا، وتعد هذه أولى عمليات التجسس التقنية المعروفة.

والأكيد أن للمعلومات ذات الطبيعة الاقتصادية أهمية لا تقل عن العسكرية، بخاصة أثناء الحروب، وتعد عمليات الجاسوسية الاقتصادية التي شهدتها الحرب العالمية الثانية درساً قيماً في هذا المجال، عندما بعث جاسوس ألماني عمل في اليابان لحساب الاتحاد السوفياتي، رسالة قصيرة تضمنت معلومات عن بعض أوجه النشاط الاقتصادي غيرت مسار الحرب، وكان لها أثر حاسم في هزيمة ألمانيا. ونصت الرسالة على التالي، “مصانع الملابس تنتج ملابس صيفية خفيفة، ومصانع الثلج في اليابان تعمل بكامل طاقتها وتوسع في إنتاج الثلج”، ومن خلال هذه الرسالة تأكد السوفيات أن العمليات العسكرية اليابانية ستتجه الى جنوب آسيا حيث الجو شديد الحرارة والرطوبة. وبهذا استطاع السوفيات أن يوحدوا جيشهم على الجبهة الألمانية ليسجلوا انتصاراً حاسماً على الجيش النازي الذي كان يعتمد على انقسام الجيش السوفياتي.

حدث الأمر ذاته عندما غيرت عملية تجسس علمي مسار الحرب، إذ جهدت عمليات التجسس في استطلاع أسرار الألمان والكشف عنها، بخاصة في مجال السلاح الذي أدى العثور على مواقعه وقصفها إلى تغيير مسار الحرب فعلياً.

الأسرار التقنية

وشهدت الحرب العالمية الثانية اهتماماً بطرق الحصول على معلومات تعد من وسائل التجسس الصناعي، إذ استطاعت أجهزة استخبارات الحلفاء بعد تحليل ودراسة العلامات والأرقام المتسلسلة على المعدات الصناعية التي استولت عليها قواتهم، حساب عدد الإطارات التي ينتجها الألمان شهرياً، ومنها تمت مراجعة تقديرات إنتاج الطائرات والدبابات، وبالعملية ذاتها كشفت عن أرقام إنتاج السيارات والمدافع والصواريخ والقنابل والذخيرة.

ومع انتهاء الحرب الباردة وتغير أساليب الصراع وغلبة الجوانب التقنية والتجارية والاقتصادية على العسكرية، أصبح التجسس يتركز على سرقة الأسرار التقنية المتطورة، وفي الوقت ذاته باتت كل دولة تسعى إلى حماية هذه الأسرار، نظراً إلى أن السطو صار حينها متبادلاً.

وفي بداية الثمانينيات، كشف عن عمليات تجسس تقني طاولت شركات عدة منها “جنرال إلكتريك” و”آي بي أم” وغيرها، وكان هدفها استخلاص التكنولوجيا لتحقيق توازن تكنولوجي عسكري.

ومع الوقت، تزايدت أهمية هذا النشاط التجسسي نظراً إلى ما شهده العالم من تقدم تقني، فأصبح العنصر الحاسم في النزاعات، إذ وفر التقدم التقني وسائل جديدة أكثر دقة لجمع المعلومات وتحليلها، وشهدت الأعوام الأولى من القرن الـ21 تصاعداً في الصراع على الأسرار التقنية، ومعها الاقتصادية والصناعية، وبهذا تطورت الجاسوسية بصورة مطّردة مع تطور أشكال النزاع.

حرب المعلومات

وتعد حرب المعلومات من أخطر أشكال التجسس على الإطلاق التي من المحتمل أن تغير في طبيعة الحروب التالية، وكان المفكر آلفين توفلر وصفها في كتابه “أشكال الصراعات المقبلة” بأنها “الحضارة الثالثة بعد حضارة الزراعة والصناعة، وأنها “من الممكن أن تطلق صراعات هائلة وتسهم في نشوء جيل جديد من الحروب”.

وفي السياق ذاته، يعد التجسس السيبراني اليوم أكثر من مجرد تهديد، فهو بحسب تعبير المتخصصين “العدو الصامت”، إذ تجند بعض الدول والمنظمات غير المشروعة مهارات مجموعة من المتسللين لاختراق دفاعات الشبكة وسرقة البيانات الحساسة، مما يعرض الأمن القومي لكثير من الأخطار ويزعزع استقرار الاقتصادات.

وهنا يلوح تحدٍّ جديد أمام المؤسسات لتعزيز دفاعاتها السيبرانية من خلال تنفيذ تدابير أمنية متقدمة وإجراء تقييمات منتظمة لنقاط الضعف وتعزيز قدرات الاستجابة لأنواع مختلفة من الحوادث. كذلك تبرز أهمية التعاون بين وكالات القطاع العام والخاص والاستخبارات لتطوير استراتيجيات دفاعية قوية للصمود في وجه هذا النوع من الهجمات.

ومن جهة أخرى، وعلى رغم الدور البارز الذي تقوم به التكنولوجيا في ظاهرة التجسس الحديث، إلا أن العامل البشري يظل يمثل نقطة ضعف خطرة، فمن خلال تقنيات الهندسة الاجتماعية يمكن لبعض الجهات استغلال نقاط الضعف لدى الأفراد لتحويلهم الى أدوات تهديد داخلي والتلاعب بالثقة لإشراكهم في عملية الاحتيال من خلال استغلال علم النفس من جهة، واستثمار الخطأ البشري من جهة أخرى، بغرض الحصول على معلومات خاصة. وهنا يضطلع الوعي والمعرفة بدور أساس للتعرف إلى الأنشطة المشبوهة وتفاديها والكشف الدائم عن التهديدات الداخلية المحتملة ومنع مشاركة المعلومات الحساسة إلا في النطاق المسموح.

وفي السياق ذاته، تعد منصات التواصل الاجتماعي منبراً خصباً للتحايل على أنواعه، لذا يقع دور أساس على شركات وسائل التواصل الاجتماعي في فرض سياسات صارمة لتحديد الحسابات المزيفة وإزالتها، ومحاربة عمليات التلاعب بالمشاعر والتضليل على هذه المنصات.

المنافسة والعنصر البشري

وتثير حماية الملكية الفكرية قضية المنافسة غير المشروعة باعتبارها صورة من صور الملكية الصناعية. وفي القانون الأميركي تتفق الشروط العامة لحماية المعلومات غير المفصح عنها، مع شروط حماية الأسرار التجارية، وتعد الشروط التعاقدية من أهم وسائل تأمين المعلومات، فتتخذ بعض الشركات التجارية تدابير شديدة للحفاظ على معلوماتها، وعلى سبيل المثال تحفظ شركة “كوكا كولا” وصفة مشروباتها داخل خزانة في أحد البنوك الأميركية، ولا يسمح لأحد بالاطلاع عليها إلا لشخصين غير معروفين للعامة، يعملان في إدارة هذه الشركة. والحقيقة أنه على مر التاريخ، استطاعت أن تستمر وتزدهر كل مؤسسة أو صناعة احتفظت بما يسمى “سر الصنعة”، فالاحتفاظ بالأسرار عنصر أساسي للاستمرارية ومواجهة المنافسين، لذا يحاول المنافسون بكل الطرق الكشف عن أسرار أندادهم، بخاصة في ظل عدم وجود ضوابط تحفظ حقوق الملكية الفكرية وحماية المعلومات السرية.

والأكيد أن التكنولوجيا الرقمية تعيد اليوم تشكيل ظاهرة التجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية. لكن في حين جعلت التكنولوجيا جوانب التجسس أسرع وأرخص وأكثر كفاءة، إلا أنها أنتجت في الوقت ذاته طلباً على تقنيات جديدة لمكافحة اتساع نطاقها وقدراتها المتزايدة. فمع الوقت منح توسع البنية التحتية السيبرانية وانتشار الذكاء الاصطناعي فرصاً جديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية والكشف عن نقاط ضعف لم تكن معروفة سابقاً، وفي الوقت ذاته ظهرت معها تحديات جديدة أيضاً.

وعلى رغم التغييرات الكثيرة التي طرأت على العمل التجسسي بدءاً من الذكاء البشري المرتبط بالصورة التقليدية للجاسوس، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والاعتماد على التقنية واستخدام أدواتها من كاميرات ومسيّرات وأقمار اصطناعية وغيرها، أثبتت التجربة أن الآلات لا يمكن أن تغني عن العنصر البشري.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com