من يملك 30 مليار دولار نقداً في لبنان؟

النشرة الدولية –

بيروت تايم – محاسن مرسل –

يخرج السياسيّون والمصرفيّون والخبراء ليحذروا من أنّ إنتشار هذه الظاهرة وتوسّعها ما هو الّا نتيجة حتميّة للإنهيار الإقتصادي والمالي والنقدي في البلاد، وبأنّ القطاع المصرفي الذي يعيش على مسمى «زومبي بنك»، هو من عزّز إتّكال الناس على الإحتفاظ بأموالهم في منازلهم بعيداً عن إيداعها في المصارف، خوفاً من خسارتها كما حصل مع الـ 88 مليار دولار التي أودعها الناس في المصارف سابقاً ومصيرها مجهول-معلوم.

ولكن في الواقع هل أنّ «الكاش ايكونومي» محصور فقط بالأموال الموجودة في المنازل؟

المؤشرات جميعها تناقض هذا التوصيف، إذ إنّ «الكاش ايكونومي» هو جزء من النظام الإقتصادي حيث تجري عبره المعاملات الماليّة أي التبادلات عن طريق النقد وليس عبر آليّات الإئتمان أو الأوامر الدائمة أو التحاويل المصرفيّة. في وقت تسعى فيه الدول المتقدّمة كلياً نحو الإقتصاد غير النقدي ما يعني توسيع الإعتماد على التقنيات الرقميّة المؤمّنة من خلال البنى التحتيّة المصرفيّة وبالطبع أبرزها تكنولوجيا الإتصالات.

سعى لبنان قبل العام 2019، لتوسيع قاعدة الشمول المالي بحيث، تنتشر فروع المصارف في معظم المناطق اللبنانية، وذلك يعني ، تسهيل وصول كل فئات المجتمع الى فتح حسابات مصرفيّة ، والحصول على بطاقات الإئتمان وتوفير العروض حول استخدامها لتكون بديلاً عن النقد الورقي، إضافة إلى تشجيع المؤسّسات الرسمية منها والخاصة على توطين الرواتب وما شابه ذلك. وطبعاً الخطوة هذه وبعيداً عن الأهداف التسويقيّة للمصارف. كانت من الأمور التي تسعى الى جعل العمليّات الماليّة مهما كان حجمها خاضعة للرقابة الماليّة، ما يعني محاولة قطع الطريق عن عمليّات غسيل الأموال.

وقبل الدخول في الأرقام التقديريّة لحجم الإقتصاد النقدي اليوم، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التبادلات النقدية فيه كانت ولا تزال تعتمد في جزئها الأكبر على النقد الورقي. إضافة الى الكتل النقديّة الكبيرة التي كانت تجد في لبنان ملاذاً آمناً لها، بعيداً عن الحروب أو الملاحقة التي كانت تحصل عند انهيار الأنظمة، وتبعاً لذلك،  أنّ الأموال التي كانت تأتي إلى لبنان جزء منها يودع في المصارف وجزء آخر يبقى قيد التداول في السوق.

لقد قدر البنك الدولي حجم «الكاش ايكونومي» بـ 10 مليار دولار، بينما إجمالي الناتج المحلي من المتوقع أن يكون السنة الحاليّة يقدّر بـ 16 مليار دولار، إذ يعادل نسبة 62.5% من حجم الإقتصاد الشرعي. بينما يقدّر المعنيون حجم «الكاش ايكونومي» بأعلى من ذلك بكثير، حيث من الممكن أن يصل  إلى 30 مليار دولار، أي نسبة 187% من حجم الإقتصاد الشرعي. علماً أنّ هذا الرقم هو تقديري لا يتصف بالدقة، لأنّ رصد النقد صعب جداً في غياب الإطار الرقابي عليه. إذا أخذنا بعين الإعتبار أنّه سابقاً،  كان يفرض التصريح عن كلّ مبلغ يدخل الى لبنان يتخطى ال 10000  دولار نقداً.  أمّا اليوم ما من أحد يستطيع أن يرصد حجم الأموال المنقولة بصورة شرعية وغير شرعية.  ومن المؤشرات  والدلائل الأخرى عن توسع «الكاش ايكونومي»، هو شبكة الأعمال التي تتوسّع في بلد منهار واقتصاده منكمش. فنشاهد معارض سيارات بشكل كبير جداً، ومطاعم، ومقاهٍ، ومحلات صيرفة، ومؤسسات مالية، ومحلات ثياب، وغيرها…هذا إنتشار كبير لمؤسسات لا يمكن أن تغامر بفتح أعمال لها في بلد  منهار إقتصادياً وماليا ونقدياً دون طرح علامات إستفهام عدّة.

والأخطر من ذلك، أنّ لبنان يواجه مخاطر إدراجه على اللائحة الرمادية لمنظمة «فاتف» وتصنيفه بأنّه دولة لا تراعي معايير مكافحة تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى أنّ «الكاش ايكونومي» تتزايد معدلاته، وما لذلك من تأثر سلبي، إن من ناحية البيئة الحاضنة لغسل الأموال، أو زيادة معدلات التهرّب الضريبي والجمركي، ما يؤدي الى حرمان المالية العامّة للدولة اللّبنانية من هذه الأموال، كما وأنّه يعرّض الناس للإحتيال والسرقة وزيادة ظاهرة الأموال المزورة.

يرى الخبير المالي والأستاذ الجامعي مروان قطب، أنّ  نظام الإقتصاد النّقدي يقوى وينتشر في الدول التي نظامها المصرفي ضعيف وتعاني من أزمة مصرفيّة. وفي لبنان، وبعد أزمة 2019 واجهت البلاد أزمة مصرفيّة وماليّة. وبالتالي انهارت قيمة العملة أكثر فأكثر وأصبحت المصارف غير قادرة على إسترداد ودائع الناس، والدولة عاجزة عن تسديد ديونها إضافة إلى إنعدام ثقة المواطنين بالمصارف، ونتيجة لذلك إختفت عمليّات إيداع الأموال وساد الحذر بين المواطنين والمصارف. وبالتالي، أصبحت عمليّة التسديد تقوم فقط عن طريقة الـ (Cash)  أو نقداً بالمعاملات التجاريّة والماليّة. وهذا أدّى إلى ظاهرة الـ (Cash Economy) بشكل كبير. كما أنّ حجم الودائع التي فُتحت مؤخراً فهي ضئيلة جدّاً، كون النظام المصرفي لم يستعِد الثّقة المطلوبة لتشغيله.

وسلبيّات «الكاش ايكونومي» يقول قطب، بأنّها تتّسبب في خروج كميّة كبيرة من النقود من الإقتصاد وتحديداً النقود المدّخرة، إضافة إلى مخاطر التعامل بالإوراق النقديّة ومخاطر تبييض الأموال كون أهم طريقة معتمدة في مكافحة تبييض الأموال هي إستخدام النّظام المصرفي في تسوية المدفوعات. إضافة إلى عدم تشجيع الإستثمار بشكل غير مباشر. وفي حال وُضع لبنان على اللائحة الرمادية من قبل «فاتف»، سيترتّب عليه فرض قيود على ما تبقّى من التحويلات المصرفيّة، إضافة الى التضييق على عمليات فتح الإعتمادات وهذا ما سيعطّل ويؤثّر على عمليّات الإستيراد والتصدير أي شلّ حركة التجارة الدوليّة بين لبنان والعالم.

كيفيّة المعالجة وفقاً لقطب ستكون عن طريق إستعادة النظام المصرفي الثقة. من خلال  حلول لمشكلة الودائع بشكل أساسيّ و تحديداً ودائع اللّولار وإعادة هيكلة المصارف، وبهذا نخرج من معضلة الإقتصاد النقدي السيّء جدّاً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى