لهذه الأسباب مهلة الـ 18 من فبراير وهمية ولن تصمد في جنوب لبنان

النشرة الدولية –

اندبندنت عربية –

أعلن الجيش الإسرائيلي، في بيان، أن طائرات حربية إسرائيلية نفذت سلسلة من الغارات الجوية على أهداف تابعة لـ “حزب الله” في سهل البقاع، شرق لبنان ليل الخميس 30 يناير (كانون الثاني) الماضي. وقال البيان إن الأهداف “شكلت تهديداً للجبهة الداخلية وللقوات الإسرائيلية”، وشملت منشأة عسكرية فيها موقع لتصنيع الأسلحة تحت الأرض وبنية تحتية عند المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان والتي استخدمتها الجماعة لتهريب أسلحة، ووفقاً للبيان، أيضاً، تم تنفيذ الضربات بعد أن أطلق “حزب الله” مسيّرة استطلاع على إسرائيل، وتم اعتراضها. ولفت الجيش الإسرائيلي إلى أن المسيّرة شكلت انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار. ومن جهة أخرى، تحدثت وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين بجروح في غارة إسرائيلية على بلدة جنتا في البقاع – شرق لبنان.

سوسن مهنا

وكان الطيران الحربي الإسرائيلي أغار، فجر يوم الجمعة الماضي، على الحدود اللبنانية- السورية شرق البلاد، وشنت مقاتلات حربية إسرائيلية غارات بين منطقتي جنتا والشعرة على الحدود اللبنانية- السورية الشرقية، وفقاً لمصادر أمنية. واستهدفت هذه الغارات المعابر غير الشرعية من الجهة السورية، كما استهدفت غارة أخرى شاحنة في منطقة وادي خالد الحدودية في محافظة عكار شمال لبنان، وفقاً للإعلام اللبناني.

غارات شمال الليطاني

بطبيعة الحال لم تكن تلك الغارات الخرق الأول الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، وكانت قد تدخلت الوساطات الدولية العديدة لردع إسرائيل عن التعرض والاعتداء على المواطنين العائدين إلى منازلهم وأرزاقهم، وتحديداً سكان القرى الجنوبية المتاخمة للحدود مع إسرائيل. وأطلقت القوات الإسرائيلية، أمس الأحد، الرصاص على الأهالي العائدين إلى بلدة يارون في جنوب لبنان، في محاولة لمنعهم من العودة إليها. فيما نقلت تقارير صحافية عن مصادر إسرائيلية أن ما شهدته الأراضي اللبنانية، الأحد الماضي 26 يناير، ليس محاولة لعودة سكان الجنوب، بل عودة “حزب الله”. فمَن تدفقوا إلى الجنوب هم مجموعات من نشطاء الحزب وكان بعضهم مسلحاً.

بدوره أشار عضو كتلة “التنمية والتحرير”، (كتلة حركة “أمل” في المجلس النيابي اللبناني) محمد خواجة، إلى أنه “كان من المفترض أن ينسحب العدو الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية المحتلة في 27 يناير الماضي، وفقاً لاتفاق وقف الأعمال العدائية. ولا يوجد أي مبرر لتأخير الانسحاب أو تمديد المهلة إلى 18 فبراير الجاري”. وأضاف أن المطلوب، في هذه المرحلة، هو استنفار الدولة اللبنانية على المستويات كافة، والتحرك على الصعيد الدبلوماسي العالمي بشكل مكثف”. وقال إن “الجنوبيين لن يقبلوا ببقاء جندي إسرائيلي واحد على أرضهم. ويجب أن يتكامل الموقف الرسمي مع الموقف الشعبي لمواجهة العدوانية الإسرائيلية، والعمل من أجل تحرير الأرض”.

في سياق متصل، علّق أدرعي على الغارات التي شهدتها مدينة النبطية قبل أيام والواقعة شمال نهر الليطاني، بالقول “قبل قليل أغارت طائرات لسلاح الجو على شاحنة ومركبة أخرى تابعتين لحزب الله، كانتا تنقلان وسائل قتالية في منطقتي الشقيف والنبطية في جنوب لبنان، لإزالة تهديد. لقد تم استهداف الشاحنة والمركبة بعد مراقبة جيش الدفاع خلال قيامهما بنقل الأسلحة”.

فيما أتى لافتاً تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من جنوب لبنان، والذي اقترح على نعيم قاسم خليفة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله ألا يخطئ في تقدير “عزمنا”، وإلا فسيدفع ثمناً باهظاً كما دفعه أسلافه. وأكد أنه إذا استمر إطلاق المسيرات من لبنان فلن يكون هناك “حزب الله”.

ذريعة “الدفاع عن النفس”

السؤال الذي يطرحه المتابعون اليوم: لماذا تظن إسرائيل أن لها الحق في التدخل العسكري في لبنان بعد اتفاق الهدنة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024؟

على رغم توقيع اتفاق الهدنة بين إسرائيل و”حزب الله” في نوفمبر 2024، استمرت تل أبيب في تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، مبررة ذلك بعوامل استراتيجية وأمنية عدة. وبالعودة إلى ما قبل توقيع الاتفاق بين بيروت وتل أبيب، كان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد قال “نحن نسعى للوصول إلى اتفاق يمكنه الصمود أمام اختبار الزمن. وعلى رغم أن لبنان دولة فاشلة، لا يمكن لإسرائيل أن تدفع ثمن ذلك على حساب أمنها وأمن مواطنيها أو التنازل عن سيادتها”. وشدد ساعر، حينها، على أن أي اتفاق يتم التوصل إليه يجب أن يضمن حرية إسرائيل في التحرك إذا وقعت انتهاكات، قائلاً “تعلمنا درساً من البنى التحتية الهائلة التي وجدناها في لبنان وغزة”.

من هنا تعتبر إسرائيل، وتحت ذريعة “الدفاع عن النفس” ومفهوم الردع الاستباقي أن أي وجود عسكري لـ “حزب الله” يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهي تستخدم مبدأ “الدفاع الاستباقي” لضرب أي قدرات ترى أنها قد تُستخدم ضدها مستقبلاً، بخاصة في ما يتعلق بالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة التي قد تغيّر ميزان القوى. وعلى رغم اتفاق وقف إطلاق النار، فإن تلّ أبيب لا ترى نفسها ملزمة بوقف العمليات الوقائية، خصوصاً ضدّ تحركات الأسلحة أو تعزيز المواقع الدفاعية لـ”حزب الله”. وتقول إسرائيل إن الحزب لم يلتزم كلياً ببنود الهدنة، بل واصل تعزيز بنيته العسكرية، ونقل شحنات أسلحة من إيران وسوريا إلى داخل لبنان.

دولارات أميركية من طهران إلى الحزب

وفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية قدّمت إسرائيل شكوى إلى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان، التي تقودها الولايات المتحدة، بأن دبلوماسيين إيرانيين وآخرين ينقلون عشرات الملايين من الدولارات نقداً إلى الحزب لتمويل إعادة إحياء جماعته في لبنان، وقالت تل أبيب إن “حزب الله” يتلقى حقائب محشوة بالعملة الأميركية من إيران من أجل تعزيز قوته. ونقلت الصحيفة عن مسؤول دفاعي أميركي يتحدث باسم اللجنة وأشخاص مطلعين على فحوى الشكوى، قولهم إن الدبلوماسيين الإيرانيين يسافرون جواً من طهران إلى مطار بيروت الدولي ومعهم حقائب مليئة بالدولارات الأميركية، فيما هددت إسرائيل بضرب مطار بيروت إذا تم استخدامه في تهريب المساعدات لـ “حزب الله”.

خلال شهر يناير الماضي أفادت وسائل إعلام لبنانية، بأن السلطات اللبنانية في مطار بيروت الدولي، منعت دبلوماسياً إيرانياً من الدخول، بعد رفضه تفتيش حقيبته الدبلوماسية، وقالت إن بيروت تجري اتصالات مكثفة مع السلطات في طهران بشأن طائرة إيرانية قيل إنها بصدد نقل أموال لـ “حزب الله”. وكان الدبلوماسي الإيراني الذي قدم على متن طيران “ماهان” الإيرانية مُنع من دخول لبنان بعد رفضه تمرير حقيبته الدبلوماسية على جهاز التفتيش الإلكتروني “سكانر”، انطلاقاً من كون الحقائب الدبلوماسية لا تخضع للتفتيش.

 

وفي هذا السياق، يطرح السؤال التالي: إلى متى يمكن أن يستمر هذا التوازن الهشّ قبل أن ينهار إلى مواجهة جديدة؟

يعتبر العديد من المراقبين العسكريين أن إسرائيل تسعى إلى تقويض قدرة الحزب على خوض أي حرب مستقبلية، حتى لو كان ذلك يعني خرق الهدنة. وأنها تعتمد على استهداف شحنات الأسلحة قبل وصولها إلى “حزب الله”، لافتة إلى أنها بذلك تمنع الحرب بدلاً من إشعالها. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الدولة اللبنانية غير قادرة على ضبط “حزب الله” أو منعه من التصعيد، وأن الحزب هو الحاكم الفعلي للجنوب، وبالتالي تتعامل مع لبنان وكأنه منطقة عمليات عسكرية مفتوحة، وليس دولة ذات سيادة كاملة.

حرب غير معلنة

لم تتوقف إسرائيل عن التدخل العسكري في لبنان بعد الهدنة لأنها تعتبر أن وقف إطلاق النار ليس ملزماً لها بالكامل إذا تعلق الأمر بمصالحها الأمنية. هذا يجعل المشهد القائم أقرب إلى “حرب غير معلنة”، إذ تستمر إسرائيل في توجيه ضربات محددة، بينما يرد “حزب الله” ضمن حدود محسوبة، من دون أن يصل التصعيد إلى مستوى الحرب الشاملة.

ولكن هذه الاستراتيجية قد تؤجل الحرب، لكنها لن تمنعها، لأن الحزب، ووفقاً لقيادييه، ما زال يمتلك قدرات كافية لإلحاق ضرر كبير بإسرائيل إذا اندلعت المواجهة، فعلام يعتمد “حزب الله”؟

يقول الإعلامي فادي أبو دية “لا شك أن القدرة العسكرية للحزب تعرضت لضربات أدت إلى خفضها، وكذلك القدرة العسكرية لالجيش الإسرائيلي وهو ما أعلنه بنيامين نتنياهو عند إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، لكن الحزب يملك مرونة كبيرة في إعادة بناء قدراته وإمكانياته، بخاصة أن طريق الإمداد في زمن الحرب كان مفتوحاً ونشطاً، لذلك فإن الحزب، إذا فرض عليه الدخول في أي عمليات قتالية من أجل تحرير الأرض، فإن القدرات البشرية لديه هي أعلى من جيش الكيان، وهو ما شاهدناه خلال الحرب، أما القدرة الصاروخية فهي موجعة من حيث قدرته على إيصال صواريخه إلى الأهداف التي يريدها وليس من حيث عدد الأهداف”، وأضاف أبو دية أن الأهم هو “أن الإسرائيلي لم يعد يملك أي بنك أهداف بينما الحزب يملك بنكاً كبيراً وموجعاً”.

وكان الأمين العام للحزب نعيم قاسم قد قال بعد تمديد ترتيبات اتفاق وقف إطلاق “على إسرائيل أن تنسحب بسبب مرور الـ 60 يوماً، ولا نقبل بأي مبرر التمديد لحظة واحدة ويوماً واحداً، ولا نقبل بتمديد المهلة”. وتابع قاسم أن “استمرار الاحتلال عدوان على السيادة اللبنانية والجميع مسؤول في مواجهة هذا الاحتلال، الحكومة والشعب والمقاومة وأطياف الأحزاب والناس، كلهم مسؤولون عن مواجهة الاحتلال، لا يجوز أن يجلس البعض على جنب فهذا احتلال لأرض لبنانية، نحن أمام احتلال يعتدي ويرفض الانسحاب والمقاومة لها الحق بأن تتصرف بما تراه مناسباً حول شكل وطبيعة المواجهة وتوقيتها، هذه رسالتنا للجميع، فليفهموا ما يريدون”.

وفي السياق نفسه، كانت “القناة الـ 13” الإسرائيلية قد أفادت بأن وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر نقل رسالة من نتنياهو لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يطلب فيها إمكانية بقاء الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع استراتيجية في جنوب لبنان لما بعد انتهاء المهلة المحددة بالاتفاق. علماً أن إسرائيل، وفقاً لمكتب نتنياهو، لن تنجز الانسحاب نظراً لعدم تنفيذ لبنان الاتفاق “بشكل كامل”.

الضربات الإسرائيلية ستبقى

وربطاً مع ما سبق، كانت معلومات صحافية قد تحدثت عن خطة إسرائيلية- أميركية تقضي بنزع تدريجي لسلاح “حزب الله”، على أن يتم العمل لاحقاً على معالجة سلاح الحزب في كل لبنان، وأن رسائل وردت إلى لبنان تشير إلى أنه لا يمكن للحزب التلاعب باتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب، وهو واضح وينص على عدم الاحتفاظ بأي وجود عسكري بعمق أكثر من 30 كيلومتراً داخل الحدود، وأنه طالما أن الحزب لا يلتزم بذلك، فإن الضربات الإسرائيلية ستبقى مستمرة. علماً أن هناك رسائل وصلت إلى بيروت بأن موعد الـ 18 من الشهر الجاري ليس ثابتاً أو مقدساً، بخاصة في حال لم تكن الحكومة في لبنان قد شُكلت ولم ينتشر الجيش اللبناني بشكل كامل في الجنوب.

لا قدرة للحزب على عودة الحرب

يقول العميد الركن والباحث في الاستراتيجية العسكرية فادي داوود في حديث مع “اندبندنت عربية” إنه في المبدأ عندما طلب الإسرائيلي تمديد المهلة حتى الـ18 من فبراير (شباط) الجاري استند إلى مبررات وأعذار، فهو كان يتذرع بأن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني لا يقومان بواجبهما، في حين ما يحصل هو العكس، فالجيش كلف، وهو ينفذ ما جاء في الاتفاق. أيضاً أضافت إسرائيل أنها ستؤخر الانسحاب إلى الـ18 من الشهر الجاري، وستبقى في نقاط خمس حاكمة، وهي تلة العويضة في القطاع الشرقي، غرب الخيام، وجنوب مرجعيون، وتلة الحمامص في القطاع الأوسط، وهتان التلتان كان الجيش اللبناني يتمركز فيهما تاريخياً، وهناك ثلاث نقاط استراتيجية بين مركبا وحولا وصولاً إلى عيتا الشعب، وهي نقاط مرتفعة سترفض إسرائيل الانسحاب منها على الأرجح، إذ ستتمسك بها عسكرياً.

ويتابع العميد داوود، “من هنا وفي قراءة لاستراتيجية إسرائيل هي تناور والمهلة التي حددتها للانسحاب ستتمدد بصورة شبه مؤكدة، وستقوم بتمديد ثانٍ وثالث، حيث إنها ستتذرع بالأعذار نفسها التي تتذرع بها الآن. وفي الحقيقة كيف سيدخل الجيش ويداهم ويفكك مراكز للحزب وهي ما زالت موجودة، عليها الانسحاب كي يدخل الجيش”. ويضيف، “لا يمكن فصل الواقع اللبناني بما يحصل في الجولان السوري، وذلك من وجهة نظر جيوسياسية، بحيث إن نتنياهو وترمب لن يسمحا لتركيا بتحقيق أي إنجاز سياسي في الداخل السوري، وإن لم يكن هناك استقرار سياسي في سوريا فالأمر سينسحب على لبنان”.

ويختم داوود معتبراً أنه لو أراد الحزب العودة إلى الحرب لما كان وقع على اتفاق وقف إطلاق النار، عندما طلب وقف الحرب كان يعلم أنه وصل لمرحلة من الخسائر لا يستطيع تحملها، وهذا ليس اتفاقاً، هو استسلام أعطى لإسرائيل الحرية العمل العسكري.

زر الذهاب إلى الأعلى