تجسير الفجوة بين الأعداء بالعلم
جواد العناني

النشرة الدولية

العربي الجديد –

عدت إلى مدينة عَمّان يوم السادس عشر من هذا الشهر، بعد رحلة دامت أسبوعاً للولايات المتحدة. وقد زرت خلالها جامعة هارفارد. وعقدت ثلاثة اجتماعات مع اقتصاديين وأكاديميين آخرين بلغ عددهم اثني عشر من المهتمين بإعادة إنعاش فلسطين واقتصادها خاصة في مجالي الصحة والإسكان. وذهبت إلى واشنطن حيث التقيت بعدد من أساتذة جامعتي جورج واشنطن وجورج تاون، وبعدد من الباحثين في المراكز العلمية.

ولعل أطرف لقاء كان ذلك الذي عقد في منزل السيدة آن بيريتز (Anne Peretz) وهي فتاة أميركية والابنة الوحيدة للشخصية الأميركية السياسية هنري ريتشاردسون لابوييز (Henry Richerdson Labouisse) والذي عمل رئيساً مفوضاً لمنظمة الأونروا ( 1958-1954) ورئيساً لليونيسف، ثم سفيراً لأميركا في أوروبا ومسؤولاً عن تنفيذ مشروع مارشال الأميركي لإعادة إعمار أوروبا، وأخيراً عينه الرئيس الأميركي جون كينيدي ليكون مسؤولاً عن تأسيس دائرة (IDA) أو وكالة الانماء الدولي والتي أعيدت تسميتها لاحقاً ليصبح اسمها وكالة الولايات المتحدة للإنماء (USAID). ويبدو أن الرجل كان موضع ثقة من الرؤساء الديمقراطيين أمثال فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وجون كينيدي. وبرع في وضع نظم المؤسسات الجديدة.

في منزل ابنته الوحيدة، التقيت مع فريق من الأساتذة العاملين في جامعة هارفارد أمثال بن فريدمان (Ben Friedman) الذي ترأس القسم الاقتصادي بالجامعة، ونشر عام 2021 كتاباً موسوماً “الدين وصعود الرأسمالية” والذي يؤكد فيه على عمق تأثير المعتقدات الدينية في الفكر الاقتصادي الرأسمالي.

وحضر أيضاً كل من د. ديفيد كتلر (David Cutler) ود. إد غليزر (Ed. Glaezer)، وآخرون مثل أرنولد بودجورسكي (القانوني) ود. مات بوتين (Matt Botein) وألان سولومونت، ومنظم اللقاء الأستاذ السابق بجامعة هارفارد والمتوقع أن يعود إليها ” ليونارد هاوسمان). ولا أنسى طبعاً الدكتور آرثر سيغال (Arthur Segal) المتخصص في الاقتصاد العقاري. وكان هناك شخصان من إسرائيل أحدهما عاموس يادلين (Amos Yadlin) والذي كان كلامه حاداً حين قال إنه لابد من القضاء على حركة حماس، وإن عدد القتلى في غزة يجب أن يكون أعلى بكثير مما هو كائن.

وقد تمحور النقاش حول عدد من النقاط المنهجية. الأولى: هل نبدأ الحديث من الآن حول “جدول الأعمال بعد اليوم الأول من انتهاء الحرب على غزة؟”. وكان رأي عاموس يادلين أن لا فائدة من الكلام الآن، لأن المعارك ستطول وأن أي محاولة لوضع برنامج سلام وإعمار ليس إلا ضرباً من الدون كيشوتيه”. أما رأي أغلبية الأساتذة من جامعة هارفارد فقد تركز على أن الأساتذة الموجودين لا يمثلون رأياً سياسياً، ولكنهم يعلمون أن الحرب سوف تضع أوزارها عاجلاً أم آجلاً، ولذلك يصبح من الضروري الاستعداد لذلك اليوم ببرنامج عمل يمكن تطبيقه وتفعيله.

وأما النقطة الثانية فقد انصبت على ضرورة الوصول إلى حل شامل للقضية الفلسطينية والقائم على حل الدولتين. ولكن أحد الحاضرين من إسرائيل أكد على أن الحكومة الحالية هناك ليست معنية في الوقت الحاضر بخلق دولة فلسطينية، بل بإيجاد صيغة تضمن الأمن لإسرائيل وبدور فاعل لها في هذا المجال.

فقلت لهم إن إسرائيل أتيحت لها فرص عديدة لكي تصل إلى سلام مع الدول العربية، ولكن حكومة نتنياهو الحالية لم تترك فرصة إلا وتأكدت من فقدانها، فكم من مرة خرج رئيس الوزراء الحالي إلى الإعلام ليتبجح بأنه قادر على إنجاز سلام مع الدول العربية بدون أي تنازلات من قبل إسرائيل. وكان لهذا الرجل الدور الأساس منذ اغتيال رابين عام 1995 وحتى الآن في أن يقوي جناح التطرف في إسرائيل. وأن يشكل حكومات تناور ضد الحقوق الفلسطينية وتلبي رغبات المستوطنين والمستعمرين في ابتلاع الأراضي وإهدار تراث الفلسطينيين. السلام المطلوب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ضرورة تناسي إسرائيل لكل مكاسبها غير الشرعية، وعليها أن تتحمل مسؤولية ذلك.

ورد عاموس يادلين على كلامي بأن العرب لم يعقدوا سلاماً دافئاً مع إسرائيل، وأن السلام بقي على المستوى الرسمي دون أن يلامس قلوب الشعبين الأردني والمصري. فأجبته على الفور: “وذلك لأنكم بعد قتلكم لرابين لم تفوا بكثير من الاتفاقات التي عُقدت مثل عدم بناء مطار ايلات، أو تنفيذ مشروع قناة البحر الأحمر/ البحر الميت، أو فتح باب التجارة بين الضفة الغربية والأردن، ولا أوقفتم الاستيطان، والاعتداءات داخل القدس، فأي سلام دافئ تتحدث عنه وأنتم تقتلون الأطفال والنساء والأطباء والصحافيين وسائقي سيارات الإسعاف والمطافئ وتحبسون الشباب بدون تهم وتصادرون الأراضي وتضايقون الناس في المدن خاصة القدس والخليل، وتعتدون على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية؟”.

وهنا تدخل بن فريدمان وقال: “هذا كلام مهم، ولكن يجب ألا يحرمنا مما أتينا لحله، وهو ماذا يمكن لنا أن نفعله من أجل حل المشكلات التي تعترض السلام، دعونا نسمع من الدكاترة المختصين”.

وقدم بعدها د. ديفيد كتلر المتخصص في اقتصادات الصحة خريطة عمل ممنهجة لإعادة بناء قطاع الصحة في فلسطين بقطاعيها الضفة الغربية وغزة. وقد كان واضحاً من عرضه أن جهداً كبيراً قد بذل في وضع هذا البرنامج، وقال “لا يمكن لأي دولة أن تستمر دون تقديم رعاية صحية شاملة بحانبيها الوقائي والعلاجي”. ودعا إلى تدريب الكوادر. وطرحت عليهم مذكراً أن عدد الأطباء والمختصين في إسرائيل من أصول فلسطينية يشكلون 20% من المجموع، و30% من الكوادر الطبية المساندة.

وتحدث بعد ذلك آرتر سيجال عن ضرورة إنعاش قطاع الإسكان والبناء (العقاري) في فلسطين. وقال إنه ما يزال يعكف على إعداد تصور شامل للموضوع. وهنا أكد الحضور أن الحديث عن قطاع الإسكان لا يمكن فصله عن الخرائط لاستخدامات الأرض وملكيتها. ووضع تصور واضح للبنى التحتية المطلوبة خاصة في قطاع غزة.

وانتقل الحديث بعدها إلى ضرورة إنشاء ترتيب من أجل تجسير الفجوة بين السياسيين والعلماء، حيث يقوم العلماء الممثلون للجهات المتنازعة وبمشاركة خبراء عالميين مرموقين من أجل اجتراح حلول للقضايا الشائكة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، وتقديم تلك الحلول للسياسيين لعلهم يجدون فيها ما يكفي لحل العقد المنتظرة.

وأكدوا كذلك على أن الحقائق العلمية تفرض في كثير من الأحوال حلولاً عملية لمشاكل يُعقِّدها السياسيون أحياناً في إصرارهم على أن يكون مطلبهم هو أساس التفاوض. ورأوا أن دور العلماء هو دور “المسهل والمزلق” للقضايا التي يستعصي الاتفاق عليها بين المفاوضين خاصة إذا اختلطت الكبرياء مع مشاعر التفوق لدى الطرفين أو لدى أي منهما.

وبعد ثلاث ساعات من النقاش اتفقنا على أن نستمر في محاولاتنا وأن نجد أنصاراً لهذه الفكرة، علماً أن تمويل مثل هذا الجهد قد لا يتطلب أكثر من 5 إلى 6 ملايين دولار في السنة لتغطية نفقات السفر والاجتماعات والإقامات والتعويض على بعض الجهود الإضافية التي تتطلب وقتاً من الباحثين. وهو في تقديري مبلغ زهيد مقابل الفوائد الكبيرة التي ستنتج من هذا الأمر.

مع أنني كنت قلقاً من الإسرائيلي عاموس يادلين الذي ادعى أنه يتابعني من فترة، إلا أنه وأمثاله يجب أن يعلموا أنهم أصبحوا قلة في هذا العالم.

أما في واشنطن العاصمة، فقد التقيت بعدد من الباحثين في جامعتي جورج واشنطن من مركز الدراسات، وبعدد من الأطباء العرب الذين لم يتمكنوا من حضور المؤتمر الهام الذي عقد في عمان بترتيب من ناما (NAAMA) أو جمعية الأطباء العرب في أميركا الشمالية، والذي عقد في عمان في أواخر شهر يناير/كانون الثاني وبحضور أكثر من 600 طبيب وبمشاركة فاعلة من العديد من المنظمات الدولية مثل WHO، وأطباء بلا حدود، ونقابات الأطباء العرب، ونقيب الأطباء العرب، ونقابة الأطباء الأردنيين والذي كان لي فيه فخر اختياري رئيساً شرفياً للمؤتمر.

هناك الكثير الذي يجب أن نفعله من أجل فلسطين وأهل غزة بالذات الذين لم يخذلونا بشجاعتهم وعزمهم وصبرهم وإرادتهم وإبداعاتهم وبشرف الموت في سبيل الله ونصرة للحق الفلسطيني والعربي في الديار المقدسة.

“قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”.. الآية 64/ سورة آل عمران.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com