حارسة الحقيقة والمعنى عند بوابة الزمن… سوسن مهنا: حين تصبح الكلمة قدرًا… وحين تخاف الحقيقة من الصمت

النشرة الدولية –

حين تتراجع الحقيقة إلى الهامش، وتُكتب الوقائع بأقلام الخوف، تظهر هي كما ظهرت الأصوات النادرة في لحظات الانعطاف الكبرى من التاريخ: لا لتطلب موقعًا، بل لتنتزع معنى.

وكما كان للكلمة في أثينا وزنها، وفي قرطاج صوتها، وفي بيروت ثمنها، تأتي سوسن مهنا لتذكّر بأن الحقيقة لم تكن يومًا بلا كلفة، ولا الجرأة بلا خصوم.

هي من سلالة أولئك الذين آمنوا بأن الكلمة سلاح أخطر من السيف، وبأن الوقوف في وجه السائد يشبه السير عكس الجموع عند لحظة الذروة. حضورها لا يُشبه الصخب، بل يُشبه الهيبة؛ وجمالها لا يُستعار للزينة، بل يتماهى مع قوة العقل، كما صُوِّرت الحكمة قديمًا بملامح أنثى لا تُروَّض.

تعرف أن الحقيقة، حين تُقال بلا أقنعة، تُربك العروش الصغيرة، وتُسقط أساطير صُنعت بعناية. ومع ذلك، اختارت موقعها بوعي من يدرك أن التاريخ لا يذكر المترددين، بل أولئك الذين وقفوا في اللحظة الحرجة وقالوا: هذا هو الواقع، ولو كرهه الجميع.

سوسن مهنا حالة رمزية، تشبه الحارس على بوابة المعنى في زمن الانهيارات. عقلٌ يقرأ الجغرافيا السياسية كما تُقرأ الخرائط القديمة: خطوط نفوذ، وصراعات هوية، وممالك تولد وأخرى تذوي. وصوتٌ حمل الحقيقة كما حملها فلاسفة المنفى قديمًا، بلا مساومة، وبلا خوف من العزلة.

في حضورها شيء من الأسطورة، لا لأنها تدّعيها، بل لأنها تُجسّد عناصرها: ثبات أمام العاصفة، ووضوح في زمن الالتباس، وقدرة نادرة على تحويل التحليل إلى موقف، والموقف إلى أثر يتجاوز اللحظة.

وحين تدافع عن الحقيقة، تفعل ذلك كما دافع عنها الشجعان عبر التاريخ: لا بوصفها خيارًا، بل قدرًا… ولا كترف فكري، بل كمسؤولية تُشبه الخلود.

في زمنٍ عربيٍّ تتزاحم فيه الضوضاء على حساب المعنى، وتُستبدل فيه الحقيقة بالشعارات، برزت الصحافية والمحللة السياسية اللبنانية سوسن مهنا كأحد الأصوات القليلة التي اختارت أن تكون الكلمة لديها فعلَ مسؤولية لا مجرّد رأي، وموقفًا معرفيًا لا اصطفافًا عابرًا.

عامٌ مضى كان حافلًا بالتحولات الدراماتيكية في الإقليم، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن دمشق إلى طهران، ومن البحر الأحمر إلى كواليس القرار الدولي. وفي قلب هذه العواصف، حافظت مهنا على حضورها الثابت، بوصفها إعلامية متخصصة في الشؤون الإقليمية والجيوسياسية، تجمع بين الحس الصحافي، والعمق التحليلي، والاشتغال الأكاديمي الجاد، بصفتها طالبة ماجستير تُعدّ رسالتها حول قضايا الصراع والهوية في المشرق العربي.

مسار فكري لا يساوم

لم تكن إطلالات سوسن مهنا الإعلامية مجرّد تعليقات ظرفية على حدث طارئ، بل جاءت ضمن مسار فكري متكامل يسعى إلى تفكيك بنية الصراع، وكشف التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي. فهي من الأصوات التي رفضت التعامل مع الأزمات بوصفها قدرًا، ورأت فيها نتاج خيارات سياسية، واختلالات بنيوية، ومشاريع نفوذ عابرة للحدود.

في مقالاتها وتحليلاتها، لم تتورّع عن مقاربة أكثر الملفات حساسية، وفي مقدّمها سلاح حزب الله، معتبرة أن تحوّله من عنصر ادّعى “المقاومة” إلى أداة تعطيل للدولة، جعل لبنان رهينة مفتوحة على الحروب، ومادة تفاوض في بازار إقليمي لا يملك فيه اللبنانيون قرارهم.

قراءة شجاعة لتحوّلات القوة

تميّز إنتاج مهنا خلال العام الماضي بجرأة لافتة في تشخيص تآكل موازين الردع التقليدية. فقد كانت من أوائل من قالوا بوضوح إن “حزب الله” انتهى عسكريًا كقوة ردع إقليمية، وأن ما تبقّى هو إدارة خسارة لا إدارة نصر. كما رأت أن إسرائيل تجاوزت سياسة “جزّ العشب”، وانتقلت إلى منطق قطع رأس الأخطبوط، في لحظة إقليمية غير مسبوقة من حيث الجرأة وتبدّل قواعد الاشتباك.

وفي قراءتها للتصعيد في جنوب لبنان، حذّرت مرارًا من وهم المهل والتفاهمات المؤقتة، معتبرة أن غياب الدولة، وتواطؤ الصمت الرسمي، يفتحان الباب أمام غارات دامية، ويضعان لبنان مجددًا على حافة الانفجار.

سوريا، الأقليات، وفخّ “الحماية”

لم يغب الملف السوري عن تحليلات مهنا، سواء لجهة العقوبات الأميركية، أو مستقبل النظام، أو استخدام الأقليات في مشاريع الهيمنة. وقد شكّلت مقالاتها حول الدروز في سوريا ولبنان إضافة نوعية للنقاش العام، إذ تناولت المسألة من زاوية الهوية والكرامة السياسية، محذّرة من تحوّل “الحماية” إلى لعنة، حين تُختزل الطوائف بالسلاح، وتُستثمر مخاوفها في صراعات الآخرين.

كما قاربت ملف النازحين، والمخيمات المغلقة، وحدود لبنان الشرقية، بعين نقدية كشفت ما يُدار في الظل، بعيدًا عن الخطاب الإنساني المُعلَن.

الإخوان المسلمون… خطاب المكاشفة لا المجاملة

في مقالات الرأي، اختارت مهنا الاصطدام مع المسكوت عنه، خصوصًا في مقاربتها لمشروع الإخوان المسلمين في المنطقة. لم تتعامل مع الجماعة بوصفها حالة سياسية تقليدية، بل قرأتها كمشروع عابر للحدود، يوظّف الدين، ويستثمر في هشاشة الدول. وجاءت مقالاتها حول الأردن كنقطة انطلاق لخطاب عربي أوسع يدعو إلى تسمية الأشياء بأسمائها، بعيدًا عن النفاق السياسي.

حضور إعلامي ووزن تحليلي

على الشاشات العربية والدولية، من BBC News عربي إلى سكاي نيوز عربية، والغد، والقاهرة الإخبارية، برزت سوسن مهنا كمحللة تمتلك لغة هادئة، وحجّة متماسكة، وقدرة على الربط بين التفاصيل والخرائط الكبرى. لم تعتمد الإثارة، ولم تركن إلى الشعبوية، بل قدّمت خطابًا عقلانيًا في زمن الانفعال.

خلاصة العام

إن حصاد العام المنصرم يكرّس سوسن مهنا كإعلامية من طراز خاص، تكتب وتتكلم من موقع المعرفة لا الانفعال، ومن منطلق الاستقلال لا الولاء. هي نموذج لصحافة الرأي المسؤولة، التي لا تكتفي بوصف الخراب، بل تحاول فهم أسبابه، والتنبيه إلى مسارات الخروج منه، ولو بدا الطريق طويلًا وشاقًا.

في زمن الانكسارات الكبرى، يبقى صوت سوسن مهنا واحدًا من الأصوات التي تذكّر بأن الكلمة الصادقة لا تغيّر العالم فورًا، لكنها تمنع تزييفه.

زر الذهاب إلى الأعلى