الدراسة التحليلية النقدية الفلسفية حول لوحة “العشاء الأخير” للفنان التشكيلي الدكتور علاء بشير

(الجزء الثاني)

الباحثة والناقدة ؛ دنيا صاحب – العراق

 

“السيد المسيح عبدُ الله لا إله”

لم يكن عيسى بن مريم عليه السلام إلهًا يُعبد، ولا ابنًا لله كما زعمت الفرق المسيحية بل كان عبدًا لله ونبيًا مصطفًى، أيده الله بروح القدس، وخصّه بمعجزات تدل على نبوته لا على ألوهيته.

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
[سورة الزخرف، الآية 59]

التأويل:
تُبيِّن هذه الآية الكريمة حقيقة نبي الله عيسى عليه السلام، بأنه عبدٌ لله سبحانه، مكرَّم بالنعمة والرسالة، وقد جعله الله آيةً ومثَلًا لبني إسرائيل. وهي ردٌّ صريح على من نسب إليه الألوهية، حيث تؤكد الآية عبوديته لله وحده، وتنفي أي شراكة له في الربوبية.

﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّيٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۭا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران، الآية 49]

التأويل المختصر:

هذه الآية تجلّي مقام نبي الله عيسى عليه السلام كآية إلهية كبرى، أُيّد بالمعجزات الباهرة: من خلقٍ بإذن الله، وشفاءٍ خارق للعادة، وإحياءٍ للموتى، مما يدل على أن المعجزة لا تكون إلا بإرادة الله، وأن المسيح عبدٌ لله مكرّم، مُرسل لهداية بني إسرائيل، يحمل في معجزاته رحمة، وفي رسالته نورًا من السماء.

وفي مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، يكشف الله زيف هذه المزاعم في الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116].

ففي هذا الخطاب الإلهي لعيسى عليه السلام، يتجلى المقام الحقّ للنبي، حيث يسأله الله سؤال تقريع وتوبيخ لأولئك الذين ألهوه هو وأمه، وهو سؤالٌ في ساحة المحاكمة الإلهية، لا لطلب العلم، لأن الله عليم بذات الصدور، بل لكشف الحقيقة أمام الخلق. فيردّ عيسى عليه السلام بكل خشوع وبراءة:

“قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ”، أي: أن تنزيهك يا ربّ يمنعني من أن أقول ما لم تأمرني به، ولم أدّعِ قط ألوهية لنفسي ولا لأمي، بل كنت عبدًا لك، أدعو إلى توحيدك. وهكذا يظهر جليًا أن عقيدة التثليث هي اختلاق بشري دخيل على رسالة المسيح الأصلية، التي كانت قائمة على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.

فجاء عيسى عليه السلام داعيًا إلى التوحيد الخالص، تابعًا لشريعة موسى عليه السلام، ومبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد. وحين زاغت بعض الطوائف عن هذه الحقيقة ورفعت النبي إلى مقام الألوهية فإنما فعلت ذلك خيانةً لرسالة السماء، وحين زاغت بعض الطوائف عن هذه الحقيقة، ورفعت النبي إلى مقام الألوهية، فإنما ارتكبت خيانةً لرسالة السماء، وتجاوزًا على جوهر الإيمان بالله وكتبه ورسله، ذلك الإيمان الذي يربط العباد بربهم الواحد الأحد، ويؤسس لعقيدة التوحيد الخالدة.

التناقض الفكري مع المقولة السيد المسيح وحقيقة روح الاسلام مع النظم المادية:

فقرة تحليلية تتناول عقائد وفلسفات إلحادية ومادية تناقض حقيقة روح الإسلام، مع ربطها بمقولة السيد المسيح “أحبوا أعداءكم” لتبيان كيف تمثل تلك المقولة امتدادًا لروح التوحيد والرحمة التي يتضمنها دين الإسلام، مقابل فلسفات تُقصي الإيمان وتُنكر الجوهر الإلهي للوجود:

إن مقولة السيد المسيح عليه السلام “أحبوا أعداءكم” لا يمكن فهمها في سياقها الكامل إلا بوصفها تجلّياً لرسالة التوحيد والإصلاح الإلهي، وهي بذلك تمثّل امتدادًا لروح الإسلام، الذي يدعو إلى الرحمة والصفح، والتسامح ويأمر بالتقوى والعدل.

والإحسان حتى مع من يسيء لكنها – في جوهرها – تتناقض تمامًا مع العقائد والفلسفات الإلحادية المعاصرة التي فصلت الإنسان عن ديانات السماوية وجعلت القيم نسبية والمبادئ مرهونة بالامور المادية والسطحية والرغبات والأنانيات.

فـ العقيدة الإلحادية، سواء في صورتها الفلسفية كـ الوجودية الملحدة أو العبثية أو في صيغتها العلمية الزائفة كـ الطبيعية المادية، ترى الكون بلا خالق، والحياة بلا هدف، والإنسان مجرد مادة بيولوجية زائلة. ومن هنا تنبع فلسفة القوة والهيمنة والعداء، إذ لا مبرر للتسامح أو الغفران في عالم بلا حساب أو جزاء. فكيف يمكن أن تُحب عدوك إن لم يكن هناك إيمان بأن وراء هذا الوجود ربًّا رحيمًا يهدي يجازي يحاسب ، يغفر ، ويعاقب المسيء والمذنب على أي حال!؟

الآية التي تبرهن هذا المعنى:

**> ﴿لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾
[سورة إبراهيم، الآية 51]*

وتُظهر هذه الآية أن النظام الإلهي قائم على العدل والمحاسبة، مما يضفي المعنى الحقيقي لقيم الغفران والمحبة، إذ تنبع من وعي الإنسان بربٍّ* يُراقب يجازي ويحاسب الانسان بما يصدر منه من اقوال وافعال.

أما المدارس الفكرية المادية كـ الرأسمالية المتوحشة، والليبرالية المطلقة، فتقوم على منطق المنفعة والمصلحة الذاتية، حيث لا مكان للمحبة المجانية أو التسامح المجرد، بل تُقاس القيم بما تحققه من مكاسب دنيوية، وتُختزل العلاقات الإنسانية إلى تبادل مصالح.

إن الإسلام، مثل رسالة المسيح الأصيلة يؤمن بأن الإنسان روحٌ قبل أن يكون جسدًا، وأن العدل والرحمة نابعان من الإيمان بالله، وأن التسامح مع العدو ليس ضعفًا، بل قوة إيمانية تستند إلى يقين في العدل الإلهي وعلوّ أخلاق المؤمن إلى مقام الأحسان في التصوف الإسلامي.

كما قال في الآية المباركة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

تأويل مختصر للآية:

تشير هذه الآية إلى دقة العدالة الإلهية وشمولها، حيث يُحاسب الإنسان على أدق أعماله، مهما كانت صغيرة. فهي تذكير بأن كل فعل له جزاء، وأن ميزان الحق لا يغفل شيئًا، مما يغرس في النفس الخشية من الله، ويحفّزها على الإخلاص في عمل الخير، والابتعاد عن الشر، ولو كان بمقدار ذرّة.

*لذلك، فإن مقولة “أحبوا أعداءكم” لا يمكن أن تتناغم مع الفكر الإلحادي أو المادي، لأنها دعوة من الوحي الإلهي للسيد المسيح النبيٍ المُرسل، جاء
متممًا لمسيرة الأنبياء، وهي في جوهرها متطابقة مع قوله تعالى:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

تأويل الآية:

أي: قابِل الإساءة بالإحسان والعداوة بالعفو، والجهل بالحلم فذلك أنفع لتهذيب النفوس وتليين القلوب، وإزالة الضغائن وتحويل الكراهية إلى مودة. إن الردّ بالحسنى يُطفئ الخصام ويفتح باب الهداية و الرحمة والمغفرة، ويُجسّد ذروة مكارم الأخلاق في الإسلام، حيث يرتقي بالإنسان إلى مقام الإحسان، وفق المنهج الدين الإسلامي الحنيف.

*الربط مع مقولة السيد المسيح عليه السلام:

وقد ورد عن السيد المسيح عليه السلام قوله:
“أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”
[إنجيل متى 5: 44]

إن مضمون هذه الوصية لا يبتعد عن جوهر ما جاء به القرآن الكريم، فكلا الخطابين يدعوان إلى الترفع عن روح الحقد، العداوة، الانتقام، والتسامِي عن الأذى بالعفو الكريم والتجاوز

وردع الطاقات السلبية بقوة الإيمان بالله، يرتقي بالإنسان إلى ذروة السمو الأخلاقي.

من الناحية الشرعية:

يتناغم هذا المعنى مع روح الشريعة الإسلامية التي تقوم على الرحمة، والمحبة، والسلام، وتحضّ على العفو، وتُعلي من شأن مكارم الأخلاق باعتبارها من ركائز التشريع الإلهي.
وقد قال رسول الله ﷺ:

> “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”

وجاء في الحديث الشريف:

> “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.”*

إن دعوة السيد المسيح إلى محبة الأعداء تمثل امتدادًا لنور القيم السماوية التي أنزلها الله لتزكية النفوس، وتطهير القلوب والأرواح، وإصلاح المجتمعات.

وهي تتجلّى بوضوح في الخطاب القرآني المعجز، الذي يجعل من الحلم، والصفح والعفو، سُبلًا إلى ولاية الله ومحبةٍ صادقةٍ تنبض في قلوب المؤمنين العارفين به.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى