الجزائر.. حين تصنع النخوة عرس الأحلام من وجع دجاجتين
بقلم: رولا عبد القادر الذهبي

النشرة الدولية –
في زمنٍ تكالبت فيه الخيبات، وأثقلت كواهلنا الأزمات الاقتصادية وتفاصيل الحياة القاسية، يظن الغريب أحيانًا أن هذا الشرق قد نضب منه النبض، وأن القلوب تحجرت من فرط الوجع. لكن الحقيقة الساكنة في أعماقنا أعمق وأصدق؛ فنحن أمةٌ جُبلت على أن يُوقظ انكسارُ فردٍ واحد فيها نخوة أمةٍ بأكملها.
منذ أقدم العصور، لم يكن الكرم عند العرب مجرد بذل مال، بل كان غريزة شهامة وإرثًا تتوارثه الأرواح جيلًا بعد جيل؛ يُشعل العربي ناره في البيداء ليهتدي الغريب، ويسكب روحه قبل زاده لنصرة الملهوف. واليوم، يثبت هذا القلب العربي النابض أنه ما زال حيًا، ينتظر فقط نداءً خافتًا ليجيب عنه بصوتٍ يملأ الأرجاء فخرًا وكرامة.
ما أشد رقة القلب حين تنكسر النفس خجلًا وعوزًا! فتاةٌ جزائرية، يتيمة وفقيرة، لا تملك في ليلة عمرها من متاع الدنيا إلا حياءها وكسرة يتمها؛ خرجت بهمسةٍ تدمي القلوب، تطلب فقط “دجاجتين” لتقتات بهما مع عريسها في عشاء ليلتهما الأولى، ليلةٍ حلمت بها ككل فتاة لكن عجزت يدها حتى عن تأمين ستر جوعها وقوت يومها. لم تطلب موائد باذخة ولا حفلًا مترفًا، بل وجبة بسيطة تؤنس بها وحشة اليتم وتشارك بها شريك دربها.
لكن دمعة اليتيم في بلادنا لا تسقط في العدم؛ إنها تهز أركان الضمير الجمعي.
وما إن خرج ذلك النداء المتواضع، حتى تحركت الجزائر بأكملها، تحركت بنخوة شعبها الأبي وكرمه الفياض الذي لا يعرف الحسابات الضيقة. لم يأتِها اثنان ولا عشرة، بل زحفت حشودٌ مهيبة وقوافل لا أول لها ولا آخر؛ هبّ الجميع كأنها ابنة كل بيت، وأخت كل شاب، وقطعة من روح كل أم وأب غائبين. رأينا المواكب، والسيارات المحملة بالخير، والزغاريد التي صدحت في الآفاق، تحيل فناء بيتها المتواضع إلى عرسٍ أسطوري تليق به أميرات الأرض، وتفيض الهدايا والمؤن والموائد التي لا تنتهي.
إنه مشهدٌ يُبكي الحجر، لا حزنًا بل رقةً وامتلاءً بالفخر والأمل. تبكي وأنت ترى كيف انتُزعت الغصة من حلق عروسٍ يتيمة، وكيف غسل طوفان النبل عجزها ليجعل منها سيدة الفرح وعروس الوطن. تبكي لأنك تدرك فجأةً أننا، ورغم كل ضيق وشُدة، ما زلنا بخير؛ ما زالت قلوبنا دافئة، تفيض بالحب، وتتحول في لحظةٍ واحدة إلى حصنٍ منيع وحضنٍ دافئ يتسع لكل مكسور.
قد تميل بنا الأيام وتشتد وطأة الظروف، لكن مثل هذه اللحظات تأتي كغيثٍ طاهر لتخبرنا: لن تُكسر يتيمة في ليلة زفافها ونحن نتنفس، ولن يقف العوز حائلًا أمام فرحة بريئة. هذه هي الروح العربية الأصيلة حين تتجلى في أبهى صورها؛ أمةٌ تجوع أجسادها أحيانًا، لكن أرواحها لا تشبع إلا من الجود ونصرة الضعيف.

زر الذهاب إلى الأعلى