سينما كواكب: حين تصبح الذاكرة آخر مقاعد العرض

النشرة الدولية –

سالم بن حمودة إبراهيم – تونس

سينما كواكب، فيلم وثائقي أردني يتتبع مخرجًا يسعى لإنقاذ سينما تحتضر في عمّان، حيث يتحول متسوّل خردة وعاشق للسينما إلى حارسها الأخير، في تأمل عميق في الفقد والذاكرة وصراع البقاء أمام النسيان.

في قلب عمّان، بعيدًا عن بريق المجمّعات التجارية وصالات العرض الحديثة، تقف سينما كواكب كجسدٍ أنهكه الزمن، لكنها لا تزال تتنفس بفضل ذاكرة عنيدة ترفض الانطفاء. هذا المكان، الذي كان يومًا ملتقى للحلم الجماعي، يتحول في فيلم وثائقي أردني جديد إلى مسرحٍ لتأمل إنساني عميق في معنى البقاء، وفي هشاشة الذاكرة حين تُترك وحدها في مواجهة النسيان.

يتابع الفيلم مخرجًا أردنيًا يدخل في سباقٍ صامت مع الزمن لتوثيق قصة السينما قبل أن تختفي نهائيًا. لكن المشروع، الذي يبدأ كمحاولة إنقاذ معلم ثقافي، سرعان ما يتخذ مسارًا أكثر حميمية وتعقيدًا. فبين الجدران المتآكلة والمقاعد الفارغة، يظهر “إحسان” رجلٌ يجمع الخردة في شوارع المدينة، عاشق قديم للسينما، يصبح الراعي الوحيد لهذا المكان المنسي. وجوده لا يملأ الفراغ المادي فحسب، بل يضخ حياة رمزية في سينما لم يعد يزورها أحد.

لا يقدّم الفيلم سينما كواكب كمبنى مهجور فقط، بل كذاكرة حيّة تختزن قصص جمهورٍ مرّ من هنا، وضحكاتٍ وبكاءٍ وحكايات حب تشكلت في الظلام. المخرج، وهو يتتبع تفاصيل المكان وشخصياته، يجد نفسه جزءًا من الحكاية، متورطًا عاطفيًا في سؤال أكبر: ماذا يعني أن نوثّق شيئًا نعرف أنه يحتضر؟ وهل التوثيق فعل إنقاذ، أم مجرد شاهدٍ على النهاية؟

العلاقة التي تنشأ بين المخرج ومحب السينما/متسوّل الخردة تشكّل العمود الفقري للفيلم. رجلان من عالمين مختلفين، يجمعهما إيمان مشترك بقيمة هذا المكان. أحدهما يملك الكاميرا، والآخر يملك الذكريات. ومع تقدّم السرد، يتحول الرجل البسيط إلى رمزٍ للمقاومة الهادئة، حارسٍ غير معلن لذاكرة مدينة لم تعد تلتفت إلى ماضيها.

بأسلوب بصري متقشف وصوتي حميم، يتجنب الفيلم الميلودراما، ويترك للصمت والمساحات الفارغة أن تتكلم. الكاميرا تتجول ببطء في أروقة السينما، كما لو أنها تحاول حفظ ملامحها في الذاكرة قبل الفقد. كل لقطة تحمل سؤالًا غير مباشر عن مصير الأماكن الثقافية في المدن العربية، وعن هشاشة الإرث حين لا يجد من يحميه.

في جوهره، لا يتحدث الفيلم عن سينما واحدة فقط، بل عن مدنٍ بأكملها تفقد ذاكرتها تدريجيًا. سينما كواكب تصبح استعارة عن جيلٍ من دور العرض، وعن أحلامٍ جماعية لم تعد تجد شاشة تُعرض عليها. وبينما يقترب الفيلم من نهايته، لا يقدّم إجابات حاسمة، بل يترك المشاهد أمام شعورٍ ثقيل بالفقد، يقابله تقدير عميق لقوة التذكر.

هذا الوثائقي ليس مرثية بقدر ما هو فعل حب أخير. حب لمكان، ولحكايات، ولأشخاص يصرّون على البقاء حتى حين يغادر الجميع. في سينما كواكب، تصبح الذاكرة آخر مقاعد العرض، ويغدو التوثيق محاولة شجاعة لتأجيل النسيان، ولو قليلًا.

زر الذهاب إلى الأعلى