الناتو وتركيا وتفعيل المادة الخامسة
بقلم: رومان حداد

النشرة الدولية –

الرأي الأردنية –

في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في آذار 2026، برزت تركيا فجأة كواحدة من الدول التي وجدت نفسها في دائرة الخطر المباشر، ولو بصورة غير مقصودة، فقد أعلنت مصادر عسكرية أن منظومات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي تمكنت من اعتراض صواريخ إيرانية كانت تعبر المجال الجوي باتجاه أهداف مرتبطة بساحة الحرب، قبل أن تصل إلى الأراضي التركية.

أثارت الحادثة تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات قد تدفع حلف شمال الأطلسي إلى تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الدفاع الجماعي، وهي المادة التي تعد جوهر فلسفة الحلف منذ تأسيسه، غير أن مسؤولين في حلف شمال الأطلسي أوضحوا أن إطلاق صواريخ باتجاه تركيا دون أن تصيب الأراضي التركية أو تتسبب في خسائر بشرية لا يرقى إلى مستوى تفعيل هذه المادة.

وتنص المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو في الحلف يُعد هجوماً على جميع أعضائه، ما يتيح للحلف اتخاذ إجراءات دفاع جماعي قد تشمل استخدام القوة العسكرية. لكن تطبيق هذه المادة يتطلب عادة وجود هجوم مباشر وواضح على أراضي دولة عضو، إضافة إلى وقوع أضرار فعلية أو تهديد صريح للسيادة الوطنية.

هذا التفسير ليس جديداً في سلوك الحلف، ففي عام 2022، عندما سقط صاروخ داخل الأراضي البولندية خلال الحرب الروسية الأوكرانية، لم يبادر حلف شمال الأطلسي أيضاً إلى تفعيل المادة الخامسة، رغم أن بولندا عضو في الحلف، حيث أكد مسؤولو الحلف آنذاك أن الحادثة كانت مرتبطة بظروف المعركة وليست هجوماً متعمداً على دولة عضو، ما جعل الرد يقتصر على التحقيقات وتعزيز إجراءات الدفاع الجوي دون الذهاب إلى تصعيد عسكري واسع.

يبدو أن الموقف الحالي لحلف شمال الأطلسي فيما يتعلق بتركيا تأكيد على سياسة الحلف المدروسة لضبط التصعيد، فالحلف يدرك أن تفعيل المادة الخامسة في هذه المرحلة سيعني عملياً الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، وهو سيناريو يحمل مخاطر توسيع نطاق الحرب في الشرق الأوسط بشكل كبير.

كما أنه لا يمكن إغفال أن الحلف يواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية مستمرة في أوروبا، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، ولذلك يبدو الحلف حريصاً على تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة في منطقة أخرى من العالم، خصوصاً إذا كان بالإمكان احتواء التهديد بوسائل دفاعية محدودة.

حادثتا بولندا وتركيا أكدتا أيضاً على أن هناك محددات تتعلق بطبيعة حلف شمال الأطلسي ذاته، فالحلف ليس دولة واحدة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة، بل تحالف عسكري سياسي يضم أكثر من ثلاثين دولة، ما يجعل قراراته الكبرى خاضعة لنقاشات سياسية معقدة تتطلب توافقاً واسعاً بين أعضائه، ولهذا السبب يميل الحلف عادة إلى التدرج في الردود العسكرية، خصوصاً عندما تكون الحوادث غير مؤثرة على سيادة دولة عضو أو حوادث مرتبطة بتداعيات غير مباشرة للحروب.

ومع ذلك، فإن عدم تفعيل المادة الخامسة لا يعني غياب الرد بالكامل، فالحلف قد يلجأ إلى تعزيز الدفاعات الجوية في تركيا أو نشر قدرات إضافية للمراقبة والإنذار المبكر أو زيادة التنسيق العسكري مع أنقرة لضمان حماية المجال الجوي التركي من أي تهديدات مستقبلية.

ولكن ما أظهره تعامل حلف شمال الأطلسي مع حادثة الصواريخ الإيرانية هو وجود استراتيجية تقوم على احتواء التهديد دون الانزلاق إلى حرب واسعة، فالحلف اعتمد تفسيراً قانونياً دقيقاً للمادة الخامسة، سمح له بالحفاظ على مصداقية التزاماته الدفاعية من جهة، وتجنب التورط في صراع مباشر مع إيران من جهة أخرى.

هذه المعادلة ليست ثابتة، وقد تتغير بسرعة إذا تعرضت الأراضي التركية لهجوم مباشر يوقع خسائر بشرية أو أضراراً واضحة في البنية التحتية، ففي مثل هذه الحالة قد يجد الحلف نفسه أمام اختبار حقيقي لالتزامه بمبدأ الدفاع الجماعي، وحتى وقوع تلك الحادثة، يبدو أن الخيار المفضل لدى حلف شمال الأطلسي سيبقى محصوراً في تعزيز الدفاعات الجوية والدعم العسكري المحدود، بدلاً من الدخول في حرب جماعية واسعة.

زر الذهاب إلى الأعلى