فجوات النفوذ الجيوسياسي وإعادة هندسة العالم
بقلم: رومان حداد

النشرة الدولية –
الرأي الأردنية –
لم تعد الحروب والانقلابات ضد أنظمة الحكم على المستوى الدولي مجرد أدوات لتغيير أنظمة الحكم أو تعديل ميزان القوى التقليدي، بل تحولت إلى آليات لإعادة ترسيم خرائط النفوذ الجيوسياسي على نحو أكثر سيولة وتعقيداً، ففي الماضي، كان يتم رسم مناطق النفوذ عبر اتفاقات واضحة أو حروب حاسمة تفضي إلى توازنات مستقرة نسبياً، أما اليوم، في عصر ما يعد الحداثة، أو عصر الحداثة السائلة وفق المفكر زيجمونت باومن، فإن الفوضى نفسها أصبحت أداة من أدوات إعادة التشكيل، بل وربما شرطاً ضرورياً لإنتاج خرائط نفوذ جديدة، وفق شروط تتوافق مع طبيعة العصر الجديد.
فالحروب التي شهدها القرن الحادي والعشرون، خصوصاً تلك التي تتسم بطابع هجين أو ممتد زمنياً، لم تنتهِ بانتصار واضح لطرف على آخر، بل خلقت فراغات واضحة ومؤثرة في منظومتي السلطة والسيطرة، وهذه الفراغات، أو ما يمكن أن أسميه بـ(فجوات النفوذ الجيوسياسية)، تفتح المجال أمام فاعلين جدد لملء الفراغ، سواء كانوا دولاً إقليمية صاعدة أو جهات وفاعلين من غير الدول، كالميليشيات العابرة للحدود أو الشبكات الاقتصادية غير الرسمية، وبالتالي، لم تعد الدولة الوطنية، كما ظهرت في عصر الحداثة، هي الفاعل الحصري في ترسيم النفوذ، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من القوى المتداخلة، قد لا تكون أقواها في مرحلة ما.
ولتوضيح بعض المصطلحات دلالياً، فإن الفوضى المقصودة هنا لا تعني الانهيار الكامل للدولة، بل هي حالة (اللا حسم) التي تبقي الصراعات مفتوحة دون تسوية نهائية، حيث أن هذه الحالة تسمح للقوى الكبرى بإدارة الصراع بدلاً من حسمه، بما يضمن استنزاف الخصوم ومنع تشكل قوى إقليمية منافسة، وفي المقابل، تستفيد قوى إقليمية من هذه الفوضى لتوسيع نفوذها عبر أدوات غير تقليدية، مثل الوكلاء المحليين أو النفوذ الاقتصادي أو حتى التحكم في تدفقات الطاقة والممرات الحيوية.
ويمكن رصد نماذج واضحة لمناطق تفريغ النفوذ الجيوسياسي في عدة ساحات، مثل سوريا بعد 2011، حيث تحولت إلى مساحة تقاطع نفوذ بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران، مع حضور كثيف لفاعلين دون الدولة، وكذلك ليبيا، التي أصبحت ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، دون وجود مركز سيادي حاسم للدولة الليبية، ودون امتلاك أي طرف شرعية التمثيل الحصري، وفي اليمن، أدى الصراع إلى إعادة توزيع النفوذ بين قوى محلية مدعومة إقليمياً، ما خلق واقعاً سياسياً متعدد المستويات، سواء في شمال اليمن أو جنوبه.
هذه الحالة المستجدة نوعياً وكمياً على الحالة السياسية العالمية تجعل رسم خريطة واضحة لأصحاب النفوذ الدوليين أو الإقليميين مهمة غير سهلة، رغم أن القراءات التقليدية قد تذهب إلى أن المستفيدين من هذه الحالة هم بالدرجة الأولى هم القوى الكبرى التي تملك القدرة على إدارة الصراع عن بُعد، مثل الولايات المتحدة، إضافة إلى قوى إقليمية تمتلك مشروعاً توسعياً واضحاً، كإيران وتركيا وإسرائيل.
وقد تجد هذه القوى في الفوضى فرصة لإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية بما يخدم مصالحها، دون تحمل كلفة السيطرة المباشرة، وفي المقابل، تتضرر الدول الهشة أو تلك التي تقع في قلب الصراعات، حيث تفقد جزءاً من سيادتها وتتحول إلى ساحات نفوذ متنازع عليها، بمعنى أن حالة الفوضى تخلق هوامش هشة تقع في مصيدة الفوضى دون استهداف مباشر لها، بما يوسع نطاق الصراع عوضاً عن تحديده.
في منطقتنا، تبدو هذه الديناميكيات حاضرة بوضوح، فالحرب الإسرائيلية على غزة لا تقتصر على بعدها العسكري أو الإنساني، بل تحمل في طياتها محاولة لإعادة تعريف موازين القوى في الإقليم، سواء من خلال إضعاف الفاعلين دون الدولة أو إعادة ترتيب العلاقة بين إسرائيل والدول العربية.
أما الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فهي تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تشمل إعادة توزيع النفوذ في الخليج وبلاد الشام، وربما خلق فجوات جديدة تستدعي تدخلاً إقليمياً ودولياً واسعاً، وهو ما طلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، دون أن يلقى استجابة لطلبه.
ما يحدث من تغير جذري لشكل الحروب وحجم الدمار وعدم حسم واضح لها، وكثرة الانقلابات غير الفعالة، في زمن الحداثة السائلة، يؤكد أننا أمام مرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث لم تعد خرائط النفوذ تُرسم بخطوط واضحة، بل عبر مساحات رمادية تتداخل فيها القوى وتتنافس على إدارتها، كما لم تعد الفوضى نتيجة للحروب، بل أصبحت أداة مقصودة بذاتها لإعادة تشكيل العالم، والسؤال الأبرز هو ليس من سينتصر في هذه الصراعات، بل من سيملك القدرة على إدارة الفوضى وتحويلها إلى نفوذ مستدام، واستخدام مناطق فراغ النفوذ الجيوسياسي كأداة جديدة لإعاجة تتعريف معنى النفوذ وحدوده الجيوسياسية؟
