الحروب تصنع الموانئ والعكس صحيح
بقلم: حمزة عليان

النشرة الدولية –
ماذا فعل الباحث والمحاضر السوداني في الشؤون الدولية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ياسر زيدان تجاه ما يحدث في بلده.
عندما أصبحت الخرطوم غير آمنة لم يعد بورتسودان مجرد ميناء، فقد تحوّل إلى عاصمة زمن الحرب، وأصبح مساراً للإجلاء ومركزاً دبلوماسياً وأحد الممرات القليلة المتبقية بين السودان والعالم الخارجي.
توجّه للبحث في الكيفية التي تصبح فيها الموانئ محوراً للاضطراب الإقليمي، وقدم دراسة إلى مؤتمر ISA للأمن الدولي في لوس أنجلس بعنوان «الموانئ تصنع الحروب والحروب تصنع الموانئ».
تجادل ورقة الباحث السوداني بأن الأمن لم يعد يصنع بواسطة الجيوش والتحالفات وساحات القتال وحدها، بل من خلال الموانئ التي تتحكم في الحركة والوصول والإجلاء والبقاء.
انطلق من بورتسودان إلى ميناء جدة عبر البحر الأحمر، واصفاً المشهد… تحولت الفنادق إلى مراكز لإنجاز إجراءات المغادرة، وأصبحت النوادي الاجتماعية والمباني العامة والأرصفة مأوى للنازحين والرعاة الأجانب المنتظرين فرصة للعبور.
كان السؤال الذي يطارده: لماذا تبدي الشركات وبعض الدول الإقليمية كل هذا الاهتمام بمدن الموانئ على البحر الأحمر؟
يجيب، ومن منطلقات أخرى، بأنه في بورتسودان اصطدمت طموحات الموانئ الأجنبية بسياسات السكان الأصليين في شرق السودان، ثم أتاح البحث في جيبوتي وميناء العقبة مقارنات كاشفة، ففي جيبوتي ترتيبات الامتيازات موضوعاً لصراع قانوني ومساحة مساومات جيوسياسية، وفي «العقبة» أفسحت الدولة المجال للاستثمار الخليجي من خلال سلطات تنمية ونقل الأراضي والترتيبات الأمنية.
ما توضحه التجربة السودانية هو أن الحرب تغير من وظيفة الميناء، فالسيطرة على الحركة تصبح مسألة بقاء.
يصف معاناته التي تعرض إليها أثناء بحثه الميداني للدكتوراه، وكانت الخرطوم على أبواب الحرب، وكيف تنقل بين المناطق إلى أن عزم على الرحيل عبر الميناء وبواسطة عملية إجلاء أميركية نقلته من هناك إلى ميناء جدة، يشير إلى فكرة مهمة، وهي كيف للحرب أن تغير الجغرافيا، فقد أدى إغلاق قناة السويس بعد حرب 67 إلى تغيير الطرق وتدفقات النفط وكيف فتّتت الحرب الأهلية في لبنان سلطة الموانئ وشجعت ترتيبات رسوم خاصة، في حين تحولت حركة الشحن نحو موانئ أخرى في المنطقة وأعادت الحرب الإيرانية – العراقية، والحرب التي أعقبت غزو العراق لدولة الكويت عام 1990 توجيه التجارة بطرق أفادت ميناء راشد والمنطقة الحرة في جبل علي.
يخلص الباحث للقول إنه لا يمكن فهم البحر الأحمر بوصفه مجرد ممر بين أقاليم اقتصادية أكبر، فالناس الذين يعيشون على شواطئه يختبرون البحر من خلال الموانئ والطرق والعمل والوثائق والعلاقات السياسية التي تحدد الوصول إليه.
تدخل المشاريع التجارية والعسكرية إلى هذه العوالم الاجتماعية القائمة، يشعر العمال بالنتائج عندما يعاد تنظيم عملهم والمجتمعات عندما تفتح سواحلها للاستثمار والعائلات عندما تبحث عن طريق للخروج من الحرب.
