دموع على عتبة الكوشة: دراما “الفيرست لوك” وسينما المناديل البيضاء

النشرة الدولية – كتبت الإعلامية رولا عبد القادر الذهبي –
لم يعد الزواج في زمننا هذا مجرد «سنّة حياة» أو ميثاق غليظ يُعقد بهدوء وتُوزَّع فيه حبات الملَبّس على وقع الزغاريد؛ بل تحوّل، بقدرة قادر وبفضل خوارزميات “تيك توك” و”إنستغرام”، إلى عرض مسرحي تراجيدي مكتمل الأركان، يتطلب مخرجاً سينمائياً، وإضاءة خافتة، وعلبة مناديل ورقية جاهزة للاستخدام الفوري.
ولعلّ الظاهرة الأكثر استفزازاً للعقل والمنطق في أعراس السنوات الأخيرة، هي تلك اللحظة المفصلية المسماة بـ “First Look” أو “النظرة الأولى”. يقف العريس وظهره للباب، متوتراً كأنه ينتظر نتيجة فحص مصيري، ثم تتقدم العروس بفستانها الأبيض، تطرق على كتفه بنعومة مدروسة، فيلتفت الشاب… وهنا تبدأ الكارثة الدرامية: يضع يديه على وجهه، يرتجف، وتفيض عيناه بدموع حارقة وكأنه لم يرَ هذه المخلوقة في حياته قط!
والأدهى من بكاء العريس، هو المشهد المكمّل للمسرحية: تقترب العروس، بكل ما أوتيت من حنان استعرضي أمام عدسات الكاميرات، وتمد يدها الرقيقة لتمسح دموعه بطرف إصبعها حرصاً على ألا تخدش «الكونسيلر» أو تُفسد زاوية التصوير، بينما المعازيم يطلقون آهات التأثر المصنع: «يا الله ما أحنّها!».
عن أي سخافة نتحدث وإلى أي قاع من التمثيل السطحي انحدرت تصرفاتنا الاجتماعية؟ متى أصبحت الرجولة تُختصر في استدرار عواطف الكاميرا، والارتباك الباكي أمام الحضور كأن العريس يُساق إلى مصير مجهول؟ الحب الحقيقي وقار، والبهجة بالزواج تعبّر عنها ابتسامة فخر واعتزاز، ونظرة ثقة تُشعر الشريكة بأنها تقف بجانب جبل، لا بجانب ممثل مبتدئ يبحث عن بضعة آلاف من «الإعجابات» على منصات التواصل.
رويدكم يا قوم، ولنحتكم إلى المنطق قليلاً قبل أن نغرق في طوفان هذه المشاعر المصنعة! مَن هذه الجالسة أمامه؟ هل هبطت لتؤها من كوكب المريخ؟ هل فاجأه القدر بظهورها فجأة في القاعة دون علم مسبق؟ يا أخي، ألست أنت نفسك الذي قضى معها سنوات في الخطوبة والحديث بالساعات يومياً؟ ألست من يعرف ملامحها دون مكياج، ومع المكياج، وبفلاتر الهواتف وبدونها؟ هل نسيت مشاوير المقاهي، وتفاصيل تجهيز البيت، وشراء الستائر وحوارات السجاد؟ هل غاب عن بالك مشهد جلوسك في صالون أهلها وأنت تطلب يدها، ويومها كاد والدها أن يقيم احتفالاً صامتاً لأنك جئت لتخلصه من أعباء الدلال وتأخذها إلى بيتك، حتى كادت لغة عيونهم تقول: «خفّ وشيل يا ابني، خذها ونحن لك من الشاكرين»؟!
فلماذا هذا البكاء المفاجئ إذن؟! هل هي دموع الصدمة من فاتورة صالون التجميل التي تفوقت على ميزانية دولة نامية؟ أم هي دموع الندم المتأخر لأن باب التراجع قد أُغلق رسمياً ودخلت قفص الزوجية برجليك؟
لقد تحولت ليلة العمر من فرحة عفوية تملاً القلوب إلى سيناريو رخيص ومكرر، أبطاله يمارسون تصنعاً فجاً لا يمت لواقعهم ولا لتقاليدنا بأي صلة. كفّوا عن البكاء عند الكوشة، فالحياة الزوجية وتحدياتها الحقيقية هي التي تحتاج إلى الصبر والثبات، وتوفير تلك الدموع لسنوات قادمة قد يكون الخيار الأكثر حكمة ومنطقية!
