أغلقوا شاشات السيرك: حين أصبح “اللايف” مأوى للسفهاء ومنبرًا للفتن

النشرة الدولية – رولا عبد القادر الذهبي –

في قديم الزمان، كان المعتوه يحتاج إلى قطع مسافات شاقة ليصل إلى ساحة القرية ليعلن خيبته للناس، وكان العقلاء ينصرفون عنه بابتسامة شفقة. أما اليوم، فكل ما يحتاجه السفيه هو هاتف ذكي، وإنارة دائرية رخيصة، وزر أحمر كُتب عليه “بث مباشر”، ليتحول فجأة إلى خبير استراتيجي، ومحلل جيوسياسي، وواعظ أخلاقي، ومثير فتن معتمد دوليًا.

لقد فعلتها التكنولوجيا بكل أسف؛ ففتحت الأبواب على مصاريعها لكل من هبّ ودبّ، وساوت بكل استهتار بين المتعلم والجاهل، والصالح والطالح، وصاحب العقل والتافه عديم القيمة. لم تعد المنصات الرقمية مساحة لتبادل الأفكار، بل تحولت إلى “سيرك مفتوح” يتسابق فيه أصحاب النفوس المريضة لاجتذاب نقرات الإعجاب بدماء القضايا وحرقة الشعوب. بضعة حمقى ينشرون الكلام يمنة ويسرة، يوزعون تهم التخوين ويزرعون بذور الكراهية، متسلحين بجهل مركب وانحطاط فكري لا مثيل له، فقط من أجل بضع دولارات أو إشباع عقد نقص مزمنة.

أمتنا العربية تمر بواحدة من أدق وأصعب مراحلها التاريخية؛ جراحنا نازفة، وأزماتنا لا تنتهي، ومع ذلك يُترك الحبل على الغارب لشراذم يقتاتون على الفتن والتحريض والنزاعات البينية. ألسنا في غنى تام عن هذه الثرثرة السامة؟ هل يُعقل أن يُترك مصير الوعي الجمعي رهينة لمراهقين فكريين يبثون السموم في نفوس الناس ويشعلون نيران العداوة بين أبناء الوطن الواحد؟

إن المطالبة اليوم لم تعد مجرد دعوة لضبط المحتوى، بل هي نداء عاجل إلى الدول وحكوماتها لوقف هذه المهزلة فورًا، وتجريم هذا الظهور العشوائي أو حظر ميزة “البث المباشر” التي تحولت إلى خنجر مسموم. إذا كانت الشوارع تفرض قوانين صارمة ضد الإزعاج العام وخدش الحياء، فإن شوارع الفضاء الرقمي باتت أقذر وأخطر بآلاف المرات؛ لأنها تسمم العقول وتهدد استقرار المجتمعات.

لقد طفح الكيل من هذا الانحدار، وآن الأوان أن يُسحب الميكروفون من أيدي هؤلاء الحمقى، وأن تُغلق الشاشات في وجوههم، ليعود الصمت أرقى وأطهر من ضجيج يزرع البغضاء ويدمر ما تبقى من وحدة وعقل.

زر الذهاب إلى الأعلى