“شهقة الوجد” للشاعرة فتحية جلاد… ديوان شعري يصور حقيقة روحية

النشرة الدولية –

هيام الفرشيشي

العنوان:

جاء العنوان على شكل مضاف ومضاف إليه له معان صوفية فالوجد مرتبة بين التواجد والوجود حتى أن العاشق يتأوه ويئن من فرط الشغف والحب.

الغلاف

طغت على لوحة الغلاف زرقة البحر وزرقة السماء وبينهما بياض شفاف يكاد يغمر المرأة ذات الثوب الاحمر / البرتقالي المطلة على البحر التي تتأمل البحر فلا يبرز منها غير صورتها الخلفية.

تجمع لوحة الغلاف بين الأزرق السماوي واللون الأسود الداكن في الاسفل يعكس قتامة الظل. فاللوحة تعكس مساحة كافية للنور ، ومسافة دنيا للعتمة خاصة وأن النور المشرق يستمد اشراقة من خلال لون ثوب الاحمر (لون النار) أو موقد الوجود. فاللوحة تجمع بين شفافية الاحاسيس الوجد وذروتها. في تمازج بين بياض الوجد وحمرة الطين، هي علاقة بين الانسان والمطلق، والجسد والروح، علاقة تأمل شخوص القوارب الصغيرة الراسية على حافة البحر.  فالتآلف بين الألوان يدل على الوجد كحب منقع بالماء لاعطاء الحب صبغة وجودية، تؤجج لهب العشق حد التأوه شعرا.

ولئن انعكست الرؤية الخلفية في حالة تأمل للمرأة فالشاعرة تعكس الرؤية البصرية و بصيرة المرأة نحو البحر حين يغازل الماء الماء ويتعانق النهر مع الموج ، فمشهد الماء المتعانق يرتقي إلى مصاف العشق الصوفي حين يندمج الجزء  بالكل في حالة الوجد ولهب العاشق واندماجه في المحبوب ، وتمزج بين الإحساس والحس ، فالحب منشأه الرغبة لا الحاجة، والمعجم الصوفي يأخذ الجسد برغباته وخطاياه  نحو أفق روحي. ونافذة كشف هذا الحب هو ما يكمن في العيون من سحر وجنون وسرحان ، وتنتهي القصيدة بسؤال الرغبة الذي يغمر السماء المتعالية المتعففة.

هذي العيون

هذي العيون تعانق الأزل

تهزم تواشيح الجسور

والأنهار يغازلها البحر

وتعزف لها النار

هذي العيون

سحر وجنون

هذي العيون

خطيئة ادم

وسجاد حواء يئن له الموج

تسرح تلك العيون

وتخجل من ياقوتها السماء

وتقول

لماذا تركت رغبتي وفاكهتي هذا المساء…؟

كما طفح دیوان “شهقة الوجد” لفتحیة جلاد بقصاٸد مخصصة للمرأة: ثورة زنوبیا، امرأتنا في الشارع والمجتمع، صبیة الریحان، غانیة الأمس، صوت مرآتي ، ریحانة، لو تعود علیسة…

وحین نقرأ قصاٸدها نکاد نسترجع صور بٶساء فیکتور هیجو، وباٸعة الکبریت، و الأرملة المرضعة لمعروف الرصافي وهی تصور معاناة المرأة في الطرق مصورة المرأة (طفلة وشابة في سن الشیخوخة).

صبیة الریحان

انحنت تقطف الریحان

صبیة تلتحف البرد

وتجوب الجبال

خشیت علی یدها من الفلقاء

ابتسمت وقالت:

لم الجزع ولم القلق؟

نحن متساوون مع الخرفان

ولم یعد لنا جلد انسان…

رغم قساوة الطقس الدروب الواعرة ما یشغل الفتاة أن تقطف الریحان وتعیش شعریة الطفولة .. شعریة عناصر الطبیعة رغم قساوة الفضاء. ولا تبدو في حالة جزع أو حالة قلق .. ثمة عناصر ما تثیر الجمال وتبعث النشوة .. ثمة متسع للمعنی …تنقذ طفولتها من التشيء .. تنقذ ذهنها من التکلس.. تلک العناصر تمنحها شحنة الإحساس ..

امرأتنا في الشارع والمجتمع

علی قارعة الطریق

التحفت الأکواخ والأوجاع

بین النار والدخان

وقفت صاحبة العینین الخضراوین

لیلی ذات العشرین تبیع الخبز لهذا وذاک

اطفالها .. مرضی.. عطشی وجیاع

نری في لون العینین جمال الارض الخصبة الطبیعة في حالة خلق وولادة وابتهاج الصور المفعمة بالحیاة فی سن الربیع والورد …تقاوم الفقر والوجع والمرض.. التحفت الاکواخ شاعریة الکوخ عند باشلار، شاعریة الوجع…تحمل معها وجع الانسان فی وجه الطبیعة،والمجتمع… وفي ذلك قدرة علی الصراع.

تصور بعدسة الکامیرا إلا أن اللغة مغموسة في معجم الألم والمعاناة، بینما تصور امراة غیر مبالیة بالقسوة تحیا طفولتها، تقاوم الفقر، الحرارة ودخان السیارات…تقاوم المطر، تغادر البیت الدافئ تواجه الطبیعة …

امرأتنا ذات الخامسة والستین

تلتحف الأرض والعراء

بین المیاه الامطار

جلست الحاجة

وقد اهلکتها الحاجة

صورة بصریة شعریة تعمق الألم …تبرز تفاقم الحاجة لامراة مسنة متلاعبة باللغة، فالحاجة أم تتجاوز الرغبة نحو تسديد ما يسد الرمق.

وحين تكرر كلمة امرأتنا في عدة قصائد وتربطها ضمنيا بامرأتنا في الشريعة والمجتمع للمصلح الطاهر الحداد فهي تسخر ضمنيا من المكتسبات التي منحت للمرأة لكنها لم تخرج عن طور الاستغلال والتهميش وصراع الطبيعة والمجتمع، فليس غرض الشعر بعث الجمال فحسب و انعكاس الصور بعين صوفية او مراودة الازل بل رؤية معاناة المرأة أيضا في الطرق الجبلية المبللة والتي يجلد فيها الصقيع جسد المرأة من طفولتها الى شبابها إلى شيخوختها. فهي لا تئن عشقا وإنما تئن وترتجف من فرط الحاجة و الصراع اليومي المؤلم. كما تنعی الشاعرة  تبدل صورة المرأة فی “غانیة الامس”

وجهک… وجه الصباح

الآن

فامسی غروبا

وتساءل الزمان:

من أنت؟

أنة اللیل؟

أم زمهریر الشتاء أم شرنقة الأحزان؟

 

ومن ثمة تدعو الشاعرة للثورة على أوضاعها، مستشهدة في قصائد أخرى برموز نسائية:

ثورة زنوبیا

هي الشمس والقمر

هی المستحیل

یراودها الوجد

فتنثر المجد

في مقلة التاریخ وأهداب الأساطیر

تتغنی الشاعرة  بجمال  ريحانة:

ریحانة انت یا ربیع العمر

سماک ربي أحلی قمر

أيقونة متقونة

ذاب فیک عشقا

القرطاس والقلم…

ترتبط صورة المرأة عند فتحية جلاد برؤية بشلارية، البيت يشكل مكانها  الامن  والأليف، والشارع کمکان المواجهة والخطر وغیاب الدفء. البیت رکن المرأة فی العالم، الجذور التی تسیج الذات… لكن بیت الطفولة لیست الجدران الدافٸة بل اکتساب صفة التوحش. الشارع لیس مکانا معادیا للطفل،  من قال أن الفضاء الخارجي معادیا للذات ؟

تحرک القارٸ لیتأثر بصور أخرى لا تقل شاعریة ،

تسقط ذکریاتها علی المرأة، تشعر بحالة انفصال عن الذات، هل توقظ حنینها للبیت والدفء في غیاب معاناة الذات تلتقط صورة خارجیة استیقظت من أحلام غفت في طفولتها، هل الشعر قطیعة وانسلاخ عن التجارب المطمٸنة؟

هل تكتب طفولة أخرى قاسیة وجمیلة تقدح فی الطفل الإرادة وتقلص عداٸیة العالم الخارجية؟

فهي تمزج الهشاشة بالصلابة .. الطفلة كائن هش صلب… جمال الطبیعة الثاٸرة يرسم مشهد الصراع.. اکتساب ترکیبة الکاٸنات الطبيعية لمواجهتها.

الخروج من القوقعة الهشة عراة من الطمأنينة والدفء کحلازین تستلذ ماء المطر ..

هل الخروج من هشاشة العزلة والوحدة فی الطریق فی الجبال والطبیعة يمنح المعنى؟!…

اذن المرأة تئن وجدا وهي تتأمل تعانق الماء بالماء، وتئن تحت سياط المطر البارد في الطرق الجبلية، ولكن الفضاء الطبيعي من حولها موغل في الجمال وصورتها تحاكي جمال الطبيعة رغم تغير العمر .

إن المرأة كائن منجذب لذكورية مسيطرة في الطبيعة والماء والمجتمع ولكنها تنجذب لهذه الذكورية من موقع الإحساس الأنثوي الرهيف وطاقة الحب.  ليكون الصراع مرتبة من مراتب المحبة وتوليد المعنى.

اختارت فتحية جلاد أن تضع المرأة في أماكن يغمرها الماء من بحار وأنهار وأمطار، لتضعها أمام الحياة مباشرة حتى وإن ثار الماء فهو يحقق دورته الوجودية المدهشة، فالروح كما المادة تستمر بالماء. فهو الطهارة والمنى والوجه الآخر للحلم/ ويمنح المشاعر الايجابية.

زر الذهاب إلى الأعلى