هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تقود الإعلام التقليدي؟

على رغم مقدار الابتذال فلا تزال هذه التطبيقات تشهد إقبالاً صاروخياً

النشرة الدولية –

اندبندنت عربية –

يربط الروائي الإنجليزي “هربرت جورج ويلز” (1866-1946) في كتابه “موجز تاريخ العالم” 1920، الذي نشره بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تطور التاريخي البشري بتطور عملية الاتصال. تاريخياً ترافق تطور التواصل مع التطور الحضاري، من لغة الإشارة والمخاطبة والكتابة إلى الهاتف والتلفزيون الذي كان ثورة في عالم التواصل حول العالم، بداية القرن الـ20. يمكن القول إن لكل فترة زمنية لغتها، ووسيلة تواصلها الخاصة. ومنذ ظهور الإنترنت في الستينيات من القرن الماضي وتطوره لاحقاً، مع إطلاق شركة “مايكروسوفت” نظامها الشهير “ويندوز” بداية الثمانينيات. تبع ذلك ظهور ما يعرف بالإعلام الاجتماعي الذي مثل قفزة كبيرة للتواصل من خلال الشبكة العنكبوتية، مع إطلاق منصة “GENie”، أولى منصات التواصل الاجتماعي بمفهومها الحالي، حيث تم تقديم هذه الشبكة الاجتماعية البسيطة عام 1985، وكانت تابعة لشركة “General Electric” الأميركية. تلى ذلك ظهور وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة حالياً، تباعاً منذ فترة التسعينيات. ومنذ ظهور تلك الوسائل وهي تخضع لميزان الإيجابيات والسلبيات، بخاصة أنها استطاعت أن تحجز لها مكاناً كإعلام جديد وبديل عن الإعلام التقليدي.

سوسن مهنا

العالم كقرية صغيرة

استطاعت وسائل التواصل الجديدة أن “تغزو” العالم بشعار العولمة، وأن العالم بفضل تطور تلك الوسائل أصبح قرية صغيرة، تنتشر فيه الأحداث والأخبار بـ””كبسة زر”، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، يصل الخبر إلى هاتفك المحمول صوتاً وصورة، حتى بالإمكان التعليق عليه. من هنا ظهرت نزعة ترافقت مع انطلاق موجات “الربيع العربي” أواخر 2010، أن كل مواطن هو صحافي، ويستطيع أن ينقل الصورة من قلب الحدث. أيضاً قال مراقبون عدة إن “الربيع العربي” هو أول ثورة أساسها الهواتف الذكية، حيث لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في سقوط بعض الأنظمة كتونس ومصر. أيضاً لعبت تلك الوسائل دوراً مهماً وأساسياً في نقل ما كان يجري داخل سوريا. من هنا تعمد بعض الأنظمة كإيران والصين مثلاً إلى حجب بعض المواقع أو قطع الإنترنت كلياً. أيضاً تلجأ بعض الشركات أو المنظمات إلى وسيلة الحجب، كوسيلة من وسائل الضغط أو العقوبات، كما حصل في روسيا مارس (آذار) 2022، حيث أعلنت شركة “أبل” توقفها عن بيع منتجاتها وفرضت قيوداً على استخدام خدمة Apple Pay في روسيا، في إطار العقوبات، وحجبت بعض تطبيقات مؤسسات الأخبار الروسية من App Store خارج روسيا.

وفي إطار التحذير من “خطر” وسائل التواصل الاجتماعي، أصدرت منظمة الـ”يونيسكو” مارس (آذار) 2022، تقريراً حذر من التهديد الوجودي الذي تفرضه تلك الوسائل على وسائل الإعلام المهنية. وأشارت المنظمة إلى الخلل في “نموذج أداء عمل وسائل الإعلام” مما يقوض حقنا الأساسي في الحصول على المعلومات. وتناول التقرير الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام في الفترة ما بين 2016 و2021. وخلص التقرير إلى أن شركتي “غوغل” و”ميتا”، تستحوذان اليوم على ما يقرب من نصف إجمالي الإنفاق العالمي على الإعلانات الرقمية، بيد أن إيرادات إعلانات الصحف العالمية قد انخفضت بمقدار النصف في السنوات الخمس الماضية. وفي ظل المحتوى الكاذب الذي انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم في شأن جائحة “كوفيد-19” حينها، الذي تسبب في إغلاق غرف الأخبار وتقليل عدد الوظائف، وبـفراغ كبير في المشهد الإعلامي، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وأفاد مرصد الوباء المعلوماتي، وهو مبادرة تابعة لمؤسسة “برونو كيسلر”، أنه خلال سبتمبر (أيلول) 2020 شهد تداول أكثر من مليون منشور عبر “تويتر” بمعلومات غير دقيقة وغير موثوقة أو مضللة بما يتعلق بالجائحة. وذكر تقرير الـ”يونيسكو” أن الجائحة كثفت الاتجاهات القائمة في انخفاض ريع الإعلانات، والخسائر في الوظائف، وإغلاق غرف الأخبار.

أيهما أكثر تأثيراً اليوم؟

لا شك أن ظهور الإعلام الجديد أحدث تحولاً على صعيد الوسيلة الإعلامية في حد ذاتها، والمحتوى الإعلامي وحتى الجمهور المتلقي، وهذا ما جادل حوله كثير من النقاد والباحثين والمتخصصين عبر آلاف من المقالات والدراسات. فهل سرعة وانتشار الوسيلة في إيصال الخبر، أهم من الخبر في حد ذاته؟

 

“اندبندنت عربية” استطلعت آراء إعلاميين مخضرمين ومؤثرين في الإعلام ووسائل التواصل، هل الـ”سوشيال ميديا” تقود الإعلام التقليدي رغم المحتوى الذي يتسم أحياناً بالتفاهة والمبالغة؟

التحقق من صحة الخبر

الإعلامي ومقدم نشرة الأخبار على شاشة “أل بي سي” اللبنانية والأستاذ الجامعي يزبك وهبة، وهو من الجيل الصحافي المخضرم، ويعمل في حقل الإعلام منذ 33 سنة، يقول إنه يحرص جداً على الموازنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الحديث. ويضيف “أنا متابع بل مشارك في المنصات الحديثة أكان من خلال الكتابة أو القراءة أو المواكبة، لكنني شديد الحرص على التقصي ومعرفة خلفية كل خبر والتحري لناحية دقته في ظل دفق من الأخبار غير الصحيحة أو غير الدقيقة بل المختلقة أحياناً، من هنا وجب التقصي قبل النشر والتوزيع”. أما عما ينشر عبر وسائل التواصل، فيعلق الأستاذ الجامعي “لا يمكنني كشخص يعمل في الإعلام التقليدي إغفال ما ينشر من أخبار على وسائل التواصل مع حرصي الشديد على التدقيق والمراجعة”.

هل يقود أو يتحكم الإعلام الجديد في الإعلام القديم؟

يرى المذيع والمدرب الإعلامي رواد ظاهر الآتي من التلفزيون إلى عالم الـ”سوشيال ميديا”، عبر قناته على موقع “يوتيوب”، “منذ سنوات بدأ أثر السوشيال ميديا على الإعلام التقليدي، ليس فقط من خلال فقرات الترند التي ظهرت في كل النشرات، وتفاعل البرامج مع الجمهور، إنما أيضاً، ومنذ 10 سنوات، وفي ترتيب نشرة الأخبار بات رؤساء التحرير يعتمدون على المواضيع الأكثر رواجاً على مواقع التواصل ليفتتحوا بها النشرات، ويحضروا تقارير في شأنها”. ويؤكد ظاهر “يمكن القول إن السوشيال ميديا تقود أو تتحكم في الإعلام التقليدي”. ويتابع رواد ظاهر مواقع التواصل أكثر. ويقول إنه نادراً ما يتابع التلفزيون، حتى البرامج التلفزيونية يتابعها عبر الـ”يوتيوب” أكثر. ويرى المدرب الإعلامي “أن هذا الأمر ينطبق على الجميع حالياً، وأكبر دليل أن نسبة مشاهدة الحلقات التلفزيونية على يوتيوب تفوق بأشواط نسب المتابعة خلال العرض، وأحياناً تنتشر مقاطع من الحلقات على مواقع التواصل بعد أيام من عرضها تلفزيونياً، وهذا دليل آخر على أن الأثر الأكبر هو من مواقع التواصل”. وعن هذا الأمر، يشير الإعلامي وهبة “لا يمكن القول إن السوشيال ميديا تقود الإعلام التقليدي وليس كل ما تتضمنه هو أخبار سخيفة أو ساذجة، بل هناك كثير من الأخبار الصحيحة والمهمة، إنما من الواجب متابعتها إذ باتت أحد مصادر الأخبار الرئيسة نظراً إلى كثرة مصادرها مع وجوب الحذر والتنبه قبل استخدامها”. ويضيف “شخصياً أتابع الإعلام بوجهيه الحديث والتقليدي بشكل متساو تقريباً، إذ لا يمكن الاتكال على واحد فقط، فالأول تتنوع مصادره رغم عدم دقتها والثاني لصدقيته”.

لكل زمن وسائله

في مقال للكاتب والمتخصص الإعلامي المصري ياسر عبدالعزيز يقول “ستظل وسائط التواصل الاجتماعي” تكسب أرضاً جديدة في ميادين الإخبار، طالما يفتقد الإعلام التقليدي التنوع والتعدد ويعاني التراجع المهني، وطالما كان عاجزاً عن تغيير إيقاعه وتطوير أدواته، للحاق بجمهور بات مزاجه في التعرض الإخباري أكثر ميلاً للمقاربة الموجزة الموحية الحادة، لكن التحدي الكبير في هذا الصدد يتعلق بكيفية خلق التكامل والتعاون بين الإعلامين “التقليدي والجديد، بحيث يصبح أولهما أكثر تحرراً وسرعة وشفافية، والآخر أكثر دقة ومسؤولية وخضوعاً للضبط الذاتي”.

لا يستطيع رواد ظاهر أن يحدد أين حقق نجاحاً أكبر عبر شاشة التلفزيون أو عبر قناته على “يوتيوب”. ويقول لولا تجربة التلفزيون لسنوات طويلة لكان من الصعب الانطلاق في الإعلام البديل عبر منصته “بالمباشر”. ويؤكد أن “لكل زمن وسائله، فمنذ 15 سنة كان التلفزيون أنجح واليوم التواصل الاجتماعي أفعل. أما الشهرة فبالطبع عبر مواقع التواصل، فهناك ثمة شريحة شابة لا تتابع أساساً التلفزيون، وجمهور خارجي لا تصله عبر الأقمار الاصطناعية المحطات اللبنانية، كذلك داخل لبنان هناك جماهير لا تتابع محطات تلفزيونية معينة لأسباب سياسية أو طائفية بينما تتابع مواقع التواصل”.

السوشيال ميديا “تطور”

المدون وصانع المحتوى والإنفلويسر في حقل الطعام، القادم من عالم جراحة الأسنان إلى رحاب السوشيال ميديا الواسع، أنطوني رحيل، يقول لـ”اندبندنت عربية” إنه يلخص رسالته بهدف واحد وهو نشر السعادة من خلال الطعام، والربط بين الناس، وذلك منذ عام 2012. ويعتبر أن الـ”سوشيال ميديا” تطورٌ، يتماشى مع تطور الإنسان، وهذا لا يعني أن الإعلام القديم قد انتهى، إذ لا يزال هناك متابعون للتلفزيون وهناك إعلانات عبر شاشاته، لكن للـ”سوشيال ميديا” قالب آخر للتواصل مع الناس. وصحيح أن هناك بعض المحتوى التافه، ولكن هذا تماماً ما كان يحصل عبر برامج تلفزيونية. بالنسبة لرحيل “على الشخص أن يعلم مع من يتعامل عبر وسائل التواصل، إذا كان أحد العلامات التجارية، وإذا أراد متابعة أي وسيلة أيضاً فعليه أن يختار ويحدد ماذا سيسمح لأولاده بالمتابعة”. وكصانع محتوى يعتبر أن الـ”سوشيال ميديا” متوافرة على الإنترنت، ويقع على الشخص نفسه مسؤولية اختيار ما يشاهد.

زر الذهاب إلى الأعلى