الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة.. مسارات الضم والتهويد والاستيطان الصهيونى
بقلم: حسين دعسة

النشرة الدولية –

ربما يكون سؤال: كيف يعيد الاحتلال الإسرائيلى تشكيل واقع الضفة الغربية؟، الذى طرحه واجترحه «النص»، «المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات»، الذى يعمل من قطر، وهو الذى أصدر، يوم الإثنين 2026/08/10، دراسة تحليلية حصلت «الدستور» على نسخة منها، نلقى عليها تفكيكًا سياسيًا ورؤية تنشر أبرز نتائجها، وهى خطوة فى ظل أزمات المنطقة والمجتمع الدولى.. وفى الواقع، كما يرى «المركز»، شهدت الضفة الغربية المحتلة فى الأسابيع الأخيرة تصاعدًا كبيرًا فى اعتداءات المستوطنين، وتناميًا فى عمليات عسكرية لقوات الاحتلال الإسرائيلية. وعلى الرغم من محاولات ربط هذا التصعيد بالحسابات الانتخابية؛ نظرًا إلى اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها فى تشرين الأول/ أكتوبر 2026، فإن ما يجرى يعكس فى حقيقة الأمر:
* أ:
سياسة إسرائيلية ممنهجة، تتجاوز اعتبارات المنافسة الانتخابية.
* ب:
الحكومة الإسرائيلية، التى يهيمن عليها التيار الدينى والقومى المتطرف، تنتهج منذ تشكيلها، فى كانون الأول/ ديسمبر 2022، مسارًا يهدف إلى تغيير الوقائع على الأرض فى الضفة الغربية.
* ج:
المسارٌ – وهو لم يعد سرًا من أسرار الكابينت أو حكومة التطرف التوراتية الإسرائيلية النازية – وما فتئت وتيرته تتسارع، منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

* مشاريع التوسع الاستيطانى الصهيونى
يحاول «المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات»، تحليل، كيف يجرى التمهيد لتهويد وضم الضفة الغربية، وارتباط ذلك مع تهويد القدس وجوار بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك.

يرتكز المركز فى التحليل، على وقائع وتحليل معلومات وارتباطها مع الحدث الفلسطينى والعربى، وأزمات المنطقة والعالم.
ويرتكز عمل المركز، على التوصل إلى مرتكزات افتتاحية لفهم ما يحدث فى الضفة الغربية المحتلة، والقدس وغزة ورفح، فيرى:
تشمل هذه السياسة – الإسرائيلية الصهيونية – مرتكزات منها:
* 1:
تصعيد مشاريع التوسع الاستيطانى، وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
* 2:
خنق الاقتصاد الفلسطينى.
* 3:
تصعيدٌ فى عمليات هَدْم المنازل وتهجير التجمعات البدوية، ومحاولات تفريغ المخيمات من السكان.
* 4:
زيادةٌ غير مسبوقة فى عنف المستوطنين واعتداءاتهم على القرى الفلسطينية بإسنادٍ من الجيش الإسرائيلى.
* 5:
تهدف هذه السياسة-الإسرائيلية الصهيونية، إلى تغيير الواقع جغرافيًا وديموغرافيًا وإداريًا فى الضفة الغربية، وتُنفِّذ ذلك فعلًا، وتفرض «السيادة» الإسرائيلية بحكم الأمر الواقع.

* حسابات السفاح نتنياهو ولوثة حروب الإبادة فى الكابينت الصهيونى

فى مكنون الجهد السياسى، والتحليل العلمى، نظرة سياسية وأمنية وقانونيًا، يرنو منها «المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات»، نشر حقائق وتنبيهات تحدث على أرض الواقع، بدعم مباشر من السفاح نتنياهو، رئيس حكومة اليمين المتطرف التوراتى الإسرائيلية النازية، عدا عن سيطرتها على الكابينت الصهيونى الأمنى، ويحدث ذلك على مشهد مباشر ورعاية من الولايات المتحدة الأمريكية، الإدارة والبنتاجون ووزارة الحرب، وبالتالى رعاية من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
وفى معالم التحليل، يقف «المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات»، فى مواجهة أحداث ونتائج وتحليل سياسات وحقائق تكمن فى:

* أولًا: ملامح تغيير الواقع جغرافيًا وديموغرافيًا

فى نص التحليل كما حصلت عليه «الدستور»، نلاحظ أن الحقائق تؤول إلى مصادرها:
أظهر تقرير مكتب ممثل الاتحاد الأوروبى فى الضفة الغربية وقطاع غزة، الصادر فى 6 تموز/ يوليو 2026، تصاعدًا غير مسبوق فى النشاط الاستيطانى الإسرائيلى خلال عام 2025، وهو ما يعكس انتقال السياسة الاستيطانية من التوسع التدريجى إلى إعادة تشكيل الواقعَين الجغرافى والديموغرافى فى الضفة الغربية.
ويفيد التقرير بأنّ عدد المستوطنين الإسرائيليين تجاوز 750 ألف مستوطن «15 فى المئة من إجمالى سكان الضفة الغربية» موزعين على 147 مستوطنة، إلى جانب عدد متزايد من البؤر الاستيطانية.
وأقرَّت الحكومة الإسرائيلية، خلال عام 2025، إنشاء 54 مستوطنة جديدة فى الضفة الغربية «باستثناء القدس الشرقية»، وهو أعلى رقم تسجله فى عام واحد منذ عام 1967. وتؤكد التطورات اللاحقة استمرار هذا المسار؛ فقد وقّعت الحكومة فى 14 تموز/ يوليو 2026 عقدًا بقيمة 8.5 مليار شيكل «2.3 مليار دولار أمريكى» لبناء 12 ألف وحدة سكنية جديدة فى المستوطنات.
كما أقامت خلال عام 2025 نحو 86 بؤرة استيطانية جديدة، بمعدل وسطى يتراوح بين بؤرة وبؤرتين فى الأسبوع الواحد، ودفعت خلال الفترة 2023-2025 بمخططات لبناء 40064 وحدة سكنية، يُتوقع أن تستوعب ما بين 160 ألف مستوطن و200 ألف مستوطن آخرين إضافيين.

وامتد هذا المسار ليشمل إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية فى الضفة الغربية وإعادة توزيع السيطرة على الأرض فيها؛ إذ استعمل المستوطنون نمط «الاستيطان الرعوى»، القائم على إنشاء مزارع استيطانية للسيطرة على أراضى الفلسطينيين. فسيطروا فعليًا على أكثر من 1.07 مليون دونم «الدونم يساوى 1000 متر مربع»؛ أى نحو 18 فى المئة من مساحة الضفة الغربية، وأضافوا خلال عام 2025 وحده نحو 300 ألف دونم إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
إلى جانب ذلك، أعلنت – دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية – إسرائيل بين عامَى 2023 و2025 نحو 25959 دونمًا «أراضى دولة»؛ وهو ما يعادل تقريبًا نصف إجمالى الأراضى التى استولت عليها وأعلنتها تابعة لها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993.
تزامن ذلك مع شقّ 223 كيلومترًا من الطرق الاستيطانية الجديدة، إلى جانب المضى فى مشروع «E1» عبر التصديق على بناء 3401 وحدة سكنية، ورصد 3 مليارات شيكل «900 مليون دولار» للبنية التحتية و335 مليون شيكل «100 مليون دولار» لشقّ ما يسمى «طريق السيادة»، الذى يغلق نحو 3 فى المئة من مساحة الضفة الغربية عن الفلسطينيين، ويعزز الترابط الجغرافى بين المستوطنات.

ويبرز المركز، كيف يمكن شمول الممارسات الإسرائيلية النازية، ما يعتبرًا تقييدًا لحركة الفلسطينيين؛ فقد أقامت إسرائيل حتى نهاية عام 2025 نحو 925 حاجزًا، منها أكثر من 120 بوابة جديدة و459 عائقًا، تغلق الطرق الرئيسة أو تحدّ من الوصول إليها، على نحو يعزل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بعضها عن بعض. وأدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية فى مخيمات شمال الضفة الغربية إلى تهجير أكثر من 40 ألف لاجئ فلسطينى منذ مطلع عام 2025.
واستكمالًا لهذا المسار، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، فى 5 آب/ أغسطس 2026، عن بدء «عملية واسعة النطاق» فى مخيم قلنديا للاجئين شمال مدينة القدس، مكررًا الذرائع الأمنية نفسها التى ساقها خلال عملياته السابقة فى مخيمات شمال الضفة.

وعلى الرغم من أن المنطقة المصنفة «ج»، التى تشكّل نحو 61 فى المئة من مساحة الضفة الغربية، شهدت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر واحدة من أوسع حملات الهدم والتهجير وتفريغ التجمعات الفلسطينية، فإنّ هذه السياسة امتدت تدريجيًا إلى المنطقتين «أ وب»، فى تطور يعكس تآكل التقسيم الإدارى الذى أفرزته اتفاقيات أوسلو. ففى أواخر تموز/ يوليو 2026، أصدر جيش الاحتلال 15 أمرًا عسكريًا بوضع اليد على نحو 199.8 دونم من أراضى محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خصص معظمها لشق طرق عسكرية، فى حين استهدف أحدها أراضى داخل المنطقة المصنفة «أ» لإقامة موقع عسكرى وشقّ طريق يؤدى إليه. إضافة إلى ذلك، وسّعت إسرائيل صلاحياتها فى مجالات الإنفاذ والتخطيط والبناء داخل المنطقة «ب»، وأقامت فيها، أوّل مرة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، ثمانى بؤر استيطانية جديدة خلال عام 2024، وقد كثفت هدم المنشآت الفلسطينية تحت ذريعة وقوعها فى «مناطق أمنية».

 

* ثانيًا: تصاعد نفوذ المستوطنين وتغيّر نظام الحكم

هنا، فى هذا الجزء من التحليل، يضعنا المركز، من خلال الجهود البحثية، إلى منحنيات وخوارزميات وحقائق، تصلنا إلى طرق، سياسية وأمنية واقتصادية، أدت إلى:
* أ:
ارتبط تغيير واقع الضفة الغربية بسَعى الحكومة الإسرائيلية الحالية لإعادة هيكلة النظام الإدارى الاستعمارى القائم منذ سبعينيات القرن العشرين؛ وذلك بنقل صلاحيات الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلى إلى مؤسسات يقودها المستوطنون.
* ب:
إشراك الحركة الاستيطانية مباشرة فى الحكم. ففى 23 شباط/ فبراير 2023، وقّع وزير الأمن الإسرائيلى السابق، يوآف جالانت، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، اتفاقًا نَقَل إلى الأخير صلاحيات واسعة فى إدارة الشئون المدنية بالضفة الغربية، ونصّ على إنشاء «مديرية الاستيطان» داخل الإدارة المدنية.
* ج:
شملت هذه الصلاحيات تحديد أولويات الإنفاق الحكومى، والتصديق على المخططات الهيكلية، ورسم الحدود الإدارية للمستوطنات، فضلًا عن ضبطٍ ومراقبةٍ للتخطيط والبناء الفلسطينيين وتنفيذ أوامر الهدم. وبرزت فى الأعوام الأخيرة منظمات استيطانية، تشارك أيضًا فى تنفيذ السياسات الاستيطانية على الأرض، من أبرزها «ريغافيم» التى تزود مؤسسات الدولة بملفات وخرائط تتعلق بالبناء الفلسطينى، و«أمانا» التى تنشئ البؤر والأحياء الاستيطانية وتطور بنيتها التحتية، و«حراس يهودا والسامرة» التى تنظم مجموعات لحماية المزارع الاستيطانية، إلى جانب منظمات أخرى تؤدى أدوارًا مماثلة.
* د:
عُزِّز هذا المسار مع تضاعف المخصصات الحكومية الموجهة إلى المجموعات الاستيطانية، وتوسيع دورها فى تنفيذ مشاريع الطرق، وربط البؤر الاستيطانية بشبكات المياه والكهرباء، والإشراف على إقامة أحياء استيطانية جديدة.

وامتد هذا التحول إلى المجالس الإقليمية الاستيطانية، التى تجاوزت دورها فى إدارة المستوطنات وتقديم الخدمات إلى سكانها، لتصبح شريكًا فى تنفيذ المشروع الاستيطانى.
* هـ:
تشرف اليوم ستة مجالس إقليمية موزعة على شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها، وتدعو علنًا إلى توسيع الاستيطان واستقدام مزيد من المستوطنين وفرض «السيادة» الإسرائيلية. وتضطلع هذه المجالس بدور مباشر فى الاستيلاء على الأراضى، وتأمين البؤر الاستيطانية، وفرض وقائع ميدانية جديدة.
* و:
تكشف ممارسات عدد من مسئوليها، ولا سيما فى المنطقة «ج» «وفقًا لتقسيمات اتفاقيات أوسلو»، عن اندماج متزايد بين سلطات الدولة والمستوطنين، بحيث يعمل الطرفان ضمن منظومة واحدة لنزع ملكية الفلسطينيين، وفرض السيطرة الإسرائيلية على أراضيهم. وعلاوةً على ذلك، تعمل جماعات، مثل «فتية التلال» و«تدفيع الثمن» وفرق الحراسة المسلحة، بوصفها ذراعًا ميدانية أيضًا للدولة ومشروعها الاستيطانى، مستفيدةً من تمويل المجالس الإقليمية والمنظمات الاستيطانية، وحماية الجيش، وتوسيع صلاحيات المستوطنين وتسليحهم.

 

* ثالثًا: أهداف دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية – إسرائيل
تهدف السياسات والإجراءات التى تنتهجها حكومة-السفاح – نتنياهو، المتطرفة، بحسب التحليل والجهد الذى اعتمد على فريق بحث وتحليل اتبعه «المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات»، وهو الذى اعتبر حكومة التطرف التوراتية الإسرائيلية النازية، منذ توليها السلطة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستعمارية الاستيطانية المترابطة، أبرزها ما يلى:

 

* 1. إنهاء نموذج أوسلو

على الرغم من تأجيل اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشئون التشريع، فى أيار/ مايو 2026، بحث مشروع قانون يقضى بإلغاء اتفاقيات أوسلو وإنهاء الالتزامات القانونية المترتبة عليها، بطلب من رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، فإنّ حكومته تمضى عمليًا فى إنهاء نموذج أوسلو عبر تفكيك مرتكزاته وإعادة فرض السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الضفة الغربية. ففى شباط/ فبراير 2026، أقرّ المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر للشئون الأمنية والسياسية «الكابينت» عدّة قرارات وسّعت الولاية الإسرائيلية فى الضفة الغربية، وقد شملت نَشْر سجلات الأراضى، والسماح للإسرائيليين بشراء الأراضى مباشرة، وتوسيع صلاحيات الإنفاذ داخل المنطقتين «أ» و«ب». وفى حزيران/ يونيو 2026، نقلت الحكومة صلاحيات التخطيط والبناء فى البلدة القديمة من بلدية الخليل إلى المؤسسات الإسرائيلية، ووصف سموتريتش هذه الخطوة بأنها تمثّل «إلغاءً فعليًا لاتفاق الخليل»، أحد الاتفاقات المنبثقة عن أوسلو.

 

* 2. تقويض فُرص قيام دولة فلسطينية

تكشف القرارات الأخيرة التى اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، عن أنها تتعامل مع منع قيام دولة فلسطينية، بوصفه هدفًا سياسيًا معلنًا رئيسًا، وتترجمه عبر القوانين والتشريعات والسيطرة على الأرض. ففى تموز/ يوليو 2024، تبنّى الكنيست الإسرائيلى، المرة الأولى، قرارًا يرفض إقامة دولة فلسطينية، وأيّده 68 عضوًا مقابل معارضة 9 أعضاء فقط. وفى أيار/ مايو 2025، صدّق الكابينت على استئناف تسجيل ملكية الأراضى فى المنطقة «ج»، ونقل إدارة هذه العملية إلى المؤسسات الإسرائيلية؛ على نحو يشمل تسجيل الأراضى، وإصدار أذونات البيع، والإشراف على إجراءات التسجيل، مقابل منع السلطة الفلسطينية من ممارسة هذه الصلاحيات. وفى آب/ أغسطس 2025، أعاد سموتريتش تفعيل مشروع «E1»، بعد تجميده منذ عام 2012 نتيجةً للضغوط الأمريكية والأوروبية؛ وهو المشروع الذى يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها من خلال كتلة استيطانية كبيرة جنوبى القدس، ووصف مكتبه هذه الخطوة بأنها تهدف إلى «دفن فكرة الدولة الفلسطينية». وفى كانون الأول/ ديسمبر 2025، عدّلت الحكومة قانون «فك الارتباط»، وسمحت بعودة المستوطنين إلى المستوطنات الأربع التى أخلتها إسرائيل فى شمال الضفة الغربية عام 2005، وهو أمرٌ يُعيد توسيع الاستيطان فى شمال الضفة ويُعمّق القطيعة الجغرافية بين مناطقها، ويُقوّض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

 

* 3. إعادة تعريف مكانة الفلسطينيين

ينظر اليمين الإسرائيلى المتطرف إلى الفلسطينيين فى الضفة الغربية، بوصفهم سكانًا محليين يمكنهم إدارة شئونهم اليومية، ولا ينظر إليهم باعتبارهم شعبًا ينبغى له أن يحظى بحقوق سياسية وتطلعات قومية. ويطرح فى المقابل نموذجًا مبنيًا على تقسيم الضفة إلى ستِّ مديريات بلدية تتمثّل فى الخليل، وبيت لحم، ورام الله، وأريحا، ونابلس، وجنين، تدير السكان وفقًا لروابط محلية وعائلية، وترتبط اقتصاديًا وإداريًا بدولة الاحتلال الإسرائيلى الصهيونى – إسرائيل. ويتكامل هذا التصور مع دعم الحكومة الإسرائيلية الحالية نماذج حكم عائلية بديلة من المؤسسات السياسية الفلسطينية؛ وهو ما تجلى فى دعوة سموتريتش إلى إلغاء «اتفاقيات الخليل» وإحياء فكرة «إمارة الخليل»، وتقديم شخصيات عشائرية من المدينة بوصفها بديلًا محليًا من السلطة الفلسطينية. وتُعزز إسرائيل هذا المسار بإضعاف السلطة نفسها، من خلال احتجاز أموال المقاصة «المؤلفة من ضرائب وجمارك تجبيها، الاحتلال، إسرائيل من الفلسطينيين»، وتعميق أزمة رواتب الموظفين الحكوميين، وفَرْض قيود متزايدة على القطاع المصرفى الفلسطينى، وكان أبرزها تصديق الكنيست، فى 9 حزيران/ يونيو 2026، على قانون يُتيح اقتطاع مبالغ سنوية من أموال المقاصة، تحدّدها اللجنة الوزارية لشئون الأمن القومى بناءً على تقرير وزير المالية، وتحويلها إلى خزينة الدولة أو استعمالها فى دفع تعويضات تقررها دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية.

 

* 4. فرض «السيادة» الإسرائيلية

فى تموز/ يوليو 2025، صدّق الكنيست على مقترح غير ملزم قانونيًا يدعو إلى فرض «السيادة» الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية وغور الأردن. وعلى الرغم من أن المقترح لم يحوّل الضم إلى قرار رسمى، فإنّ الحكومة الإسرائيلية تمضى فى تطبيقه بحكم الأمر الواقع، عبر إجراءات تفكيك مخرجات أوسلو، وتقوّض إمكان قيام دولة فلسطينية، وتكرّس سيطرتها على معظم الأرض، وتحصر الفلسطينيين فى تجمعات منفصلة من دون سيادة أو حقوق سياسية. وفى هذ الإطار، يرتبط فَرْض «السيادة» بترسيخ نظام أبارتهايد يُخضع الفلسطينيين والمستوطنين لمنظومتين قانونيتين وقضائيتين مختلفتين، ويمنح المستوطنين حقوقًا وامتيازات تحرم إسرائيل الفلسطينيين منها على الأرض نفسها. وفى الوقت نفسه، توظف إسرائيل هذا النظام لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وخنق الحياة الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا وعمرانيًا، واستنزاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والبقاء فى أرضهم. ويتجسد هذا المسار ميدانيًا فى تهجير التجمعات الفلسطينية من المنطقة «ج»، ودفع سكان مخيمات شمال الضفة الغربية قسرًا نحو مراكز المدن وضواحيها، بالتوازى مع تصعيد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية والاستيلاء على أراضيها. وتؤدى هذه السياسات، مجتمعة، إلى دفع السكان تدريجيًا من المخيمات والقرى نحو مراكز المدن، وحصرهم فى مساحات جغرافية أضيق تتراجع فيها فُرص العمل ومقومات العيش، على نحو يخلق بيئة طاردة تستنزف قدرتهم على إعالة أسرهم، وقد تدفعهم، فى نهاية المطاف، إلى البحث عن فُرص للعيش خارج فلسطين. ويجد هذا المسار تعبيره الأكثر وضوحًا فى خطة الإرهابى المتطرف سموتريتش لفرض «السيادة» الإسرائيلية على 82 فى المئة من مساحة الضفة الغربية، وحَصْر الفلسطينيين فى المساحة المتبقية، ولا سيما فى مراكز المدن، ضمن مناطق سكانية منفصلة ومعزولة تفتقر إلى أدنى مقومات السيادة والتواصل الجغرافى والاستقلال السياسى والاقتصادى.

 

* ما بين «خاتمة».. وتحذير!

فى محاولة لفهم أهمية دراسة المركز، نرى أن تحذيرات الدراسة، تستبق الكثير من الأحداث الراهنة على خطورتها، إذ وفق النتائج، ما بين «خاتمة».. وتحذير، بالملاحظات السياسية والأمنية والسكانية والقانونية، التى تنشر، وفق جهد نشر بصلاحيات علمية ونتاج سياسى، بات التحذير، فيه ضروريًا:
دخلت الضفة الغربية، منذ وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى الحكم، مرحلة جديدة من المشروع الاستعمارى الاستيطانى، تُعدّ الأسوأ منذ احتلالها عام 1967. وتسارعت وتيرة هذا المشروع بعد عملية «طوفان الأقصى»، التى حولتها إسرائيل إلى فرصة لإعادة تشكيل الواقع جغرافيًا وديموغرافيًا وإداريًا فى الضفة الغربية على نحو يفرض السيادة عليها بحكم الأمر الواقع، سواء أعلنت إسرائيل عن الضم رسميًا أم أبقته من دون إعلان. وترى حكومة نتنياهو فى اللحظة الراهنة فرصةً مواتية لإنجاز هذا المشروع، مستفيدةً من سلوك إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، المنسجم مع توجهات اليمين الإسرائيلى، وضعف المواقف الأوروبية، وغياب دور عربى فاعل. وفى الوقت نفسه، يغيب دور فاعل للسلطة الفلسطينية فى مواجهة مشروع يستهدف وجودها السياسى، ويجردها تدريجيًا من وظائفها، ويحصر دورها فى إدارة الشئون المدنية اليومية.
.. وليس آخرًا:
التنسيق العربى الإسلامى المشترك، يدخل فى متون الأزمة، برغم التقاطعات بين الأحداث والحروب ومخاوف التصعيد فى سياق ومسارات الحرب الثلاثية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية، وملالى طهران، إيران، والوضع فى جنوب لبنان واستقرار الدولة اللبنانية، ووجود الاحتلال الإسرائيلى فى الجنوب، عدا عن الأزمة فى اليمن والعراق ومستقبل العلاقات مع سوريا وغيرها، إلا أن الواضح أن التنسيق السياسى والأمنى الكبير بين الأردن، المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية، والجهود الدبلوماسية العربية والإسلامية، مع المجتمع الدولى، والأمم المتحدة والمنظمات والقوى المختلفة فى العالم، ومؤسسة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى.
وضع الضفة الغربية، مرتبط بوضع القدس المحتلة وجوار بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك.
وما قد تؤول إليه الضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطينى المحتل، مرهون بمستقبل قطاع غزة، ودور الأحداث المتسارعة والتعنت الإسرائيلى الصهيونى، ضد تطبيق اتفاق مجلس السلام وخروج الاحتلال الإسرائيلى من غزة وإعادة الإعمار.
الضفة الغربية المحتلة، جرس إنذار وسط مخاوف تصعيد أزمات الحرب فى المنطقة والإقليم والشرق الأوسط كافة.

زر الذهاب إلى الأعلى