الطابون الأردني خبز القرى الذي خرج من البيت وبقي في الذاكرة

النشرة الدولية –
الدستور – رنا حداد
نعم ثمة روائح لا تحتاج إلى صورة كي تستعيد مكانها في الذاكرة، ورائحة خبز الطابون واحدة منها. ما إن تفوح حتى تعود معها البيوت القديمة، وساحات القرى، وأصوات النساء وهنّ يجهزن العجين، والأطفال الذين كانوا ينتظرون الرغيف الساخن قبل أن يصل إلى المائدة.
في القرى الأردنية، من عجلون وإربد والسلط والكرك والطفيلة، وصولًا إلى قرى المفرق ومناطق أخرى، كان الطابون أكثر من فرن منزلي. كان جزءًا من نظام الحياة اليومية، ومكانًا لإعداد الخبز والطعام، ومساحة ترى وتشعر عندها بأعمال النساء وذاكرة العائلة.
وتوثق قاعدة التراث الثقافي الأردني غير المادي نماذج متعددة من صناعة الطابون وخبزه في محافظات مختلفة، بما يؤكد تنوع طرقه وأدواته من منطقة إلى أخرى.
فرن من تراب القرية
كان الطابون يُصنع من المواد المتاحة في البيئة المحلية، وفي مقدمتها الطين والتراب والتبن، مع اختلاف الخلطات وطريقة البناء بحسب المنطقة. وفي بعض المناطق كان يُبنى فوق حفرة في الأرض، وفي مناطق أخرى يتخذ شكلًا نصف كروي أو بيتًا طينيًا صغيرًا، فيما كانت بعض الطوابين تُقام داخل البيت أو في مكان قريب منه.
وفي عجلون، مثلًا، تصف الروايات التراثية الطابون بأنه كان من ضروريات البيت الريفي، ويُصنع من أنواع من التربة والطين والتبن ومواد أخرى، فيما كانت أرضيته تُجهز بالحجارة الصغيرة الملساء المعروفة باسم «الرَّضَف».
أما في مناطق من البلقاء، فقد عُرف الطابون أحيانًا بوصفه فرنًا مشتركًا بين أكثر من عائلة، في صورة تعكس طبيعة الحياة الريفية القائمة على التعاون وتقاسم الموارد.
وكان تشغيل الطابون في حد ذاته حكاية
في بعض القرى استُخدم روث الأغنام والحيوانات المجفف وقودًا، فيما استُخدم جفت الزيتون في مناطق أخرى، خصوصًا في البيئات التي ارتبطت حياتها بالزراعة ومعاصر الزيتون. وتوثق المصادر التراثية الأردنية استخدام الجفت وقودًا لأفران الطابون في عجلون، بينما تشير روايات من الكرك إلى استخدام الزبل أو جفت الزيتون في تسخين الفرن.
الرَّضَف.. سر الرغيف
ولعل أكثر ما يميز الطابون الأردني طريقة خبزه. ففي عدد من المناطق لم يكن العجين يُلصق على جدران الفرن، وإنما يوضع فوق حجارة صغيرة ملساء شديدة السخونة تعرف باسم «الرَّضَف». ومع ارتفاع حرارة تلك الحجارة، ينضج الرغيف من الأسفل، ويكتسب شكلًا وطعمًا خاصين.
ولهذا عُرف في بعض المناطق باسم «خبز الرَّضَف» أو «الخبز الحصاوي». وتصف المصادر التراثية هذا النوع بأنه خبز يُخبز على حصى الرضاف الموجودة في أرضية الطابون، فيما تشير روايات عجلونية إلى «الطابون الحصاوي» بوصفه طابونًا من الصلصال تكون أرضيته مملوءة بقطع الحجارة الصغيرة الملساء.
وفي شطنا، بقيت ذاكرة خاصة لهذا الأسلوب، إذ كان أهل القرية يطلقون على الخبز الذي يُخبز فوق الرَّضَف اسم»«الخبز الرَّضافي». وكانت المرأة تجهز الأرغفة ثم تستخدم «المِقلاع» للوصول إليها وإخراجها من الحرارة العالية. ولم يكن المقلاع مجرد أداة، بل كان جزءًا من مهارة الخَبز نفسها. فالمرأة التي تتقن التعامل مع الطابون تعرف متى تضع الرغيف، ومتى ترفعه، وكيف تحافظ على حرارة الفرن، وكيف تتعامل مع الرماد والنار دون أن يفسد الخبز.
لم يكن الطابون مخصصًا للخبز وحده
كانت حرارته تستثمر في إعداد أنواع مختلفة من الطعام، من الصواني واللحوم إلى أطباق شعبية أخرى. وتوثق الروايات التراثية في البلقاء والكرك استخدام الطابون للخبز والطبخ وشوي اللحوم وإعداد الصواني. وفي بعض البيوت، كانت عملية الخَبز تبدأ منذ الليل. تُعجن كمية كبيرة من الطحين والماء والملح والخميرة، وتُترك حتى تختمر، ثم يبدأ العمل في الصباح الباكر. تُقطع العجينة إلى قطع، وتُرقّ، وتُجهز الأرغفة، ثم تبدأ رحلة الرغيف إلى الطابون.
كانت هذه العملية في كثير من الأحيان عملًا جماعيًا. امرأة للعجين، وأخرى لتجهيز الأرغفة، وثالثة لمتابعة الفرن. وبين هذه المهام كانت تدور الأحاديث، وتنتقل الخبرات من الأم إلى ابنتها، ومن الجدة إلى حفيدتها. وهكذا لم يكن الطابون يصنع الخبز فقط، بل كان يصنع أيضًا علاقة اجتماعية كاملة حوله.
… ولكن الطابون لم يختفِ
اليوم، تغير كل شيء تقريبًا مع دخول الأفران الحديثة إلى البيوت. فالغاز والكهرباء اختصرا الوقت والجهد، وأصبح بالإمكان الحصول على الخبز بسرعة أكبر، دون الحاجة إلى تجهيز طابون وتسخينه ومراقبة ناره. ومع تغير نمط الحياة، تراجع اعتماد الأسر على الطابون اليومي، وبدأ حضوره ينحسر تدريجيًا. لكن الطابون لم يختفِ. ما حدث أنه انتقل من الحاجة اليومية إلى الذاكرة التراثية. وبدأت نماذج منه تظهر في المطاعم الريفية، والمشاريع المنزلية، والمهرجانات، والفعاليات الثقافية، والمواقع السياحية التي تقدم للزائر تجربة مرتبطة بالمطبخ الأردني القديم.
اليوم الطابون يُقدَّم بوصفه إرثًا شعبيًا متجددًا، وتُستعاد من خلاله الأكلات الشعبية في بعض الفعاليات والمواقع التي يقصدها الزوار، ضمن توجه لربط التراث الغذائي بالمسارات الثقافية والسياحية. وهنا بدأت تظهر تحديثات واضحة في طريقة استخدام الطابون. فالطابون المعاصر قد يُبنى بمواد أكثر متانة، وقد يُجهز بعزل أفضل، وتُستخدم فيه أحيانًا مصادر حرارة حديثة أو طرق إشعال أكثر سهولة، كما أصبحت عملية تشغيله أكثر ملاءمة للمطاعم والفعاليات. ومع ذلك، تحاول كثير من التجارب المحافظة على جوهر الطريقة القديمة، خصوصًا فكرة التسوية على حرارة الطين والحجارة.
بمعنى آخر، لم يعد المطلوب من الطابون الحديث أن يكون نسخة حرفية من فرن الجدة، وإنما أن يحتفظ بالروح التي جعلت خبزه مختلفًا.