عليّا الخالدي لـ الجريدة: «أرشفة تاريخ المسرح» ذاكرة رقمية ومرجع للباحثين
أكدت أن التمويل المحلي يدعم مسرح فضاء المدينة ليكون مشروعاً مستقلاً

النشرة الدولية –
الجريدة- حمزة عليان –
في حوارٍ جرى بمقر جمعية نسمة في شارع السادات، والقريب من الجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU) بمنطقة رأس بيروت، حيث تُمارس د. عليّا الخالدي مهنة تدريس مادة تاريخ المسرح، تحدَّثت عن ولادة مشروع أرشفة تاريخ المسرح أثناء إعدادها لشهادة الدكتوراه في جامعة لندن. وعندما سُئلت عن تاريخ المسرح العربي، كونها من بلاد الشام، صُدمت لعدم توافر مصادر ومراجع كافية للرد على السؤال، ومن هنا نشأت الحاجة لديها لتأسيس هذا المشروع، وزاد إلحاحاً أثناء تدريسها لمادة المسرح، ولعدم وجود مصادر ومعلومات كافية لدى الطلبة. وتحدثت الخالدي، مؤسسة ورئيسة مشروع فضاء، في حوارها مع «الجريدة»، عن مشروع لتوثيق تاريخ المسرح العربي، وبشكلٍ خاص المسرح اللبناني، من خلال جمع المواد الأرشيفية وحفظها وإتاحتها للباحثين والجمهور. وأوضحت صاحبة المشروع أن الهدف ليس الحديث عن إنجازاتها الشخصية، بل عن المسار الذي سلكته في بناء هذا المشروع، وعن الصعوبات العملية والفكرية التي واجهتها، فضلاً عن الحاجة إلى إنشاء سردية زمنية واضحة لتاريخ المسرح في لبنان. وفيما يلي التفاصيل:
• ما مضمون مشروع أرشفة تاريخ المسرح العربي، وبشكلٍ خاص المسرح اللبناني؟
– يقوم المسار الأول على إنشاء أرشيف مادي وذاكرة رقمية تجمع النصوص والصور والكُتب والوثائق والمواد المختلفة المرتبطة بالمسرح. تُجمع هذه المواد وتُنظَّم وتُؤرشف، ثم تُتاح عبر موقع إلكتروني يمكن أن يكون مرجعاً للمهتمين بتاريخ المسرح العربي.
إنجاز الموقع الإلكتروني تم إلى حدٍّ كبير بجهدٍ شخصي، من دون الاعتماد على تمويلٍ ثابت أو على فريق دائم، فالأشخاص الذين يشاركون في العمل متطوعون يأتون ويغادرون بسبب التزاماتهم وظروفهم.
جهة متخصصة
• حدثينا عن مؤسسة فضاء.
– تحمل المؤسسة اسم فضاء، وهو اختصار باللغة الإنكليزية لعبارة Foundation for Arab Dramatic Arts، مؤسسة فنون المسرح العربي، وقد جرى التفكير طويلاً في الاسم وصيغته، حتى استقر الاختصار على FADA.
المؤسسة لا تزال في طور البناء والتطوير، ووجودها يرتبط بالحاجة إلى إنشاء جهة متخصصة تجمع المواد المسرحية، وتعمل على تنظيمها وإتاحتها. المشروع ليس مجرَّد موقع إلكتروني، لكنه إطار مؤسسي يمكن أن يستمر ويستقبل المواد الجديدة ويحافظ عليها.
أرشفة تاريخ المسرح اللبناني مشروع مستدام تقوده مؤسسة فضاء
• ماذا عن المسار الآخر للمشروع؟
– إلى جانب الأرشيف المادي، يقوم المشروع على مسارٍ ثانٍ هو الأرشيف الحي. والمقصود به أن يذهب الأرشيف إلى الجمهور، بدلاً من انتظار أن يأتي الجمهور للبحث عنه داخل موقع أو قاعدة بيانات. يخرج التاريخ من مكانه الثابت، ويتحوَّل إلى لقاء وتجربة ومشاركة.
تتجسَّد إحدى صور هذا المسار في تنظيم ليالٍ يُستضاف فيها مسرحيون للحديث عن تجاربهم ومسيرتهم. ومن خلال هذه اللقاءات، لا يكتفي الجمهور بقراءة معلومات عن المسرح، بل يستمع مباشرةً إلى الأشخاص الذين عاشوا الأحداث وشاركوا في صناعتها، فتتحوَّل الذاكرة الفردية إلى جزءٍ من الذاكرة العامة.
• ما الهدف من مشروع «امشي نتذكر»؟
– من المشاريع المنفذة ضمن الأرشيف الحي مشروع «امشي نتذكر»، وهو مستلهم من فكرة الجولات سيراً على الأقدام التي تُنظَّم في مدن مختلفة للتعريف بالمطاعم القديمة أو الكنائس أو المعالم التاريخية، لكن الجولة هنا مخصصة للمسارح الموجودة بمنطقة الحمرا في بيروت.
تشمل الجولة عدداً من المسارح، معظمها مغلق اليوم، مثل: مسرح بيكاديللي، ومسرح بابل، ومسرح بيروت، ومسرح المدينة. عند كل مسرح، يستخدم المشاركون رمز استجابة سريعة (QR Code) يُتيح لهم مشاهدة صور ومواد توثِّق المكان من الداخل، لا سيما خلال فترة ازدهاره. وبينما يقف الجمهور أمام المبنى، يُمكنه أن يرى عبر الهاتف كيف كان المسرح في أيامه السابقة، وأن يتعرَّف إلى تاريخه وما جرى فيه.
«امشي نتذكر» جولة على الأقدام للتعرف على مسارح الحمرا في بيروت
• ما التحديات التي يواجهها المشروع؟
– تحتاج المواد المجمَّعة إلى قاعدة بيانات متخصصة، إلا أن العمل يجري في الوقت الحالي باستخدام جداول Excel، ويُنظر إلى ذلك بوصفه حلاً عملياً مؤقتاً، لأن معظم الأشخاص المتاحين للعمل يُتقنون استخدامها، في حين أن تدريب فريقٍ كامل على نظامٍ جديد قد يتطلب وقتاً وموارد مالية إضافية.
المواد الأرشيفية ليست بيانات نصية فحسب، فقد تتضمَّن صوراً ووثائق وفيديوهات وملفات متعددة الأنواع. لذلك، فإن تطوير قاعدة بيانات مناسبة سيُصبح ضرورياً مع توسع المشروع، لا سيما عندما تزداد كمية المواد وتتنوَّع مصادرها.
عملية مستمرة
• ما المدة المتوقعة لتنفيذ المشروع؟
– الأرشفة لا يمكن أن تنتهي، إذ يستمر المسرح في إنتاج أعمالٍ جديدة، ويظهر فنانون جُدد ينبغي توثيق أعمالهم ومساراتهم. ومن هذا المنطلق، لا تُفهم الأرشفة بوصفها مهمة تُنجز مرةً واحدة ثم تُغلق، بل بوصفها عملية مستمرة تتطوَّر مع الزمن. وربما من أكثر الجوانب التي يهتم بها المشروع هي أهمية إنشاء جدول زمني واضح لتاريخ المسرح. فالمعلومات المتاحة غالباً ما تكون موزعة بين شهادات الأفراد وذاكرة المسرحيين ومواد متفرقة، ولا توجد دائماً صورة شاملة تحدد تسلسل الأحداث والأعمال.
• ماذا عن الصعوبات التي يواجهها المشروع؟
– المشروع يواجه تحديات متعددة، منها: غياب التمويل المستقر، وصعوبة الحفاظ على فريق دائم، وتشتت المواد بين أصحابها، والحاجة إلى نظام تقني متطور، إضافة إلى غياب جدول زمني شامل لتاريخ المسرح اللبناني.
ومع ذلك، يستمر العمل انطلاقاً من قناعة بأن الأرشفة عملية طويلة الأمد، وأن بناء ذاكرة المسرح مسؤولية تتطلَّب الصبر والتراكم والتعاون. فالغاية النهائية ليست امتلاك الأرشيف، بل ربط مصادره، وإتاحتها للباحثين والجمهور، وتحويل المسارح القديمة والقصص الفردية والوثائق المتفرقة إلى ذاكرة مشتركة تساعد الأجيال القادمة على معرفة تاريخ المسرح وفهم تطوره.
• ما حكاية مشروع مسرح فضاء المدينة؟
– الفكرة تتلخص في إنشاء مسرح أصغر حجماً، لكنه قادر على استيعاب عددٍ كبير من الناس. كذلك تقوم الفكرة على تمويل المسرح من خلال بيع كل كرسي بمبلغ ألف دولار للواحد، بحيث يُكتب اسم الشخص الذي يُسهم في شراء الكرسي عليه. وفي المقابل، يحصل المساهم على امتيازٍ محدود، فيما يذهب الدعم الأساسي إلى تأسيس المسرح وتشغيله. ولا تقوم الفكرة على جمع التبرُّعات فحسب، بل على بناء علاقة مباشرة بين المشروع الفني والثقافي والمجتمع. فالمسرح المقترح هو مشروع «من المجتمع إلى المجتمع»، أي أن الناس أنفسهم يساهمون في إنشائه، ثم يعود إليهم بوصفه مساحة ثقافية وفنية مفتوحة، فيمنح هذا التمويل المحلي المجتمع دوراً أساسياً في حماية المشروع ودعمه.
إن مسرح فضاء المدينة يُعد مشروعاً مستقلاً، ويُعبِّر الاسم عن رغبة في إنشاء مسرح مرتبط بالمدينة وبمجتمعها، ويكون مفتوحاً أمام الناس والعاملين في الثقافة والفنون. وبذلك، لا يكون فضاء المدينة مجرَّد قاعة للعروض، بل مساحة عامة تلتقي فيها المبادرات الفنية والثقافية والاجتماعية.
الخالدي في سطور
عليّا الخالدي من أسرة لبنانية- فلسطينية، والدها من أصول مقدسية، ووالدتها من عائلة سلام اللبنانية، جدتها عنبرة سلام الخالدي- أول امرأة لبنانية تنزع النقاب عن وجهها عام 1927 أثناء ندوة أقامتها بالجامعة الأمريكية في بيروت. قامت بترجمة «الإلياذة» و«الأوديسة» إلى اللغة العربية. والدها طريف الخالدي مؤرخ إسلامي. تمارس مهنة تدريس تاريخ المسرح والإخراج والإنتاج في جامعة «LAU»، نالت الماجستير من جامعة ليدز والدكتوراه من جامعة لندن. اشتغلت مع إلياس خوري وهدى سنو في مسرح بيروت ومسرح بابل، وأخرجت عدة مسرحيات.
اهتمت كثيراً بإنشاء مكتبة متخصصة بالمسرح، وأنتجت عدة مشاريع في سلسلة توثيق تاريخ المسرح اللبناني، منها: «دقوا على خشبة المسرح».
