بيتٌ قاوم الزمن وحفظ حكاية عائلة وذاكرة الريف الأردني

النشرة الدولية –
الدستور – رنا حداد
في أم الكندم، على طريق المطار، خلف نادي الجواد العربي، يبدو بيت «لا يزال» للوهلة الأولى وكأنه قطعة هادئة من زمن آخر، إلا أن الاقتراب من المكان يكشف أن الحكاية أكبر من بيت قديم بقي قائماً وسط تبدلات المنطقة. هنا، بين العقود الحجرية والمقتنيات والأعمال الفنية والأرض الزراعية الممتدة أمامه، سمع بهدوء حكاية عائلة مع تاريخ المكان، وتستعيد تفاصيل حياة ريفية كانت ذات يوم جزءاً أساسياً من المشهد المحيط بالعاصمة عمان.
«الدستور» زارت بيت « لا يزال» في منطقة أم الكندم على طريق المطار، وتجولت في أرجائه، لتجد بيتاً لا يُقدَّم باعتباره أثراً جامداً، وإنما باعتباره مكاناً ظل مفتوحاً على الحياة، واستعاد صاحبه ملامحه وحافظ على خصوصيته، وحوّله إلى مساحة تستقبل الفن والثقافة والذاكرة، إلى جانب احتفاظه بوظيفته الأصلية المرتبطة بالأرض والزراعة.
يرجع تاريخ البيت إلى عام 1860، حين بناه إبراهيم البشارات في منطقة أم الكندم، في موقع ارتبط منذ وقت مبكر بالأرض والزراعة. أما اسم «الكندم»، فيرتبط بالقمح باللغة الآرامية، وهي دلالة تنسجم مع طبيعة المنطقة التي نشأت حول البيت، والتي امتدت أراضيها الزراعية في وقت من الأوقات إلى نحو 20 ألف دونم، وزُرعت بمختلف المحاصيل.
ولم يكن البيت منفصلاً عن محيطه، بل كان جزءاً من حياة ريفية كاملة؛ أرض تُزرع، وعائلة ترتبط بها، وبيت يشهد تعاقب السنوات ويحفظ تفاصيل يومية لم تعد حاضرة بالطريقة ذاتها في الحياة المعاصرة.
بيتٌ بقي في مكانه رغم تغير المكان
مع مرور العقود، تبدلت ملامح المنطقة، وكان إنشاء شارع المطار في أواخر سبعينيات القرن الماضي واحداً من التحولات التي تركت أثرها على الأرض المحيطة بالبيت. فقد انقسمت الأراضي إلى قسمين بعد إقامة الطريق، إلا أن «لا يزال» بقي في موقعه، محتفظاً بوجوده وخصوصيته.
ولم تختفِ الأرض الزراعية أمام البيت، بل ظلت جزءاً من المشهد، وهي الأراضي التي ورثها ممدوح بشارات عن والده، وما يزال يتابع العمل فيها حتى اليوم.
وبالنسبة إلى ممدوح، لم تكن صلته بالبيت مجرد علاقة ملكية. فقد اشترى حصص الورثة، ليصبح البيت له، وأخذ يقضي فيه فترة الصيف، ويتابع في الوقت ذاته عمله في الزراعة، محافظاً على العلاقة التي ربطت هذا المكان بعائلته وبالأرض منذ عقود طويلة.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حكاية «لا يزال»؛ مرحلة لم يكن الهدف منها الاكتفاء بالحفاظ على البناء، وإنما إعادة الحياة إليه.
كان البيت قد وصل إلى حالة تهدد بقاءه، وكان آيلاً للانهيار، فبادر ممدوح إلى ترميمه والحفاظ عليه، وأجرى قصارة إسمنتية للسقف، في محاولة لإنقاذ البناء وإبقائه قائماً.
لكن الترميم بالنسبة إليه لم يكن مجرد معالجة لجدران وسقف؛ فقد أراد أن يحتفظ البيت أيضاً بالمعنى الذي يحمله بالنسبة إلى عائلته، وأن يبقى مكاناً حياً يستوعب الذاكرة والفن والروحانية.
من غرفة الصومعة إلى كنيسة
ومن أكثر التحولات خصوصية في البيت تحويل غرفة الصومعة إلى كنيسة، تخليداً لروح والده ووالدته. ودُشنت الكنيسة في حزيران عام 2004 على يد المطران سليم الصايغ، لتصبح جزءاً من هوية المكان، وتضيف إلى البيت بعداً روحياً يرتبط مباشرة بتاريخ العائلة وذكراها.
وهكذا، لا يكتفي «لا يزال» برواية تاريخ معماري أو زراعي، بل يحمل في داخله أيضاً ذاكرة الأسرة، بما فيها من أسماء وغياب وطقوس ومناسبات، وهو ما يجعل التجول في المكان أقرب إلى قراءة سيرة عائلة من خلال بيتها.
وعند مدخل البيت، تلفت الانتباه قطع أثرية أنقذها ممدوح بشارات من البيع عندما كان ماراً بمنطقة حسبان. هذه القطع لم تصل إلى البيت بوصفها مقتنيات للزينة فحسب، وإنما جاءت في سياق اهتمام صاحب المكان بحفظ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة مادية مرتبطة بالبلاد، لتجد لنفسها مكاناً بين جدران البيت القديم.
ومع المقتنيات الشخصية، يحتفظ «لا يزال» بأعمال فنية وأشياء مرتبطة بالعائلة والحياة الريفية، لتتحول مساحة البيت إلى ما يشبه متحفاً شخصياً مفتوحاً على ذاكرة المكان؛ قطع تستعيد أشكالاً من الحياة الماضية، وأعمال فنية تنظر إلى البيت من زوايا مختلفة، وأشياء احتفظت بها العائلة أو وصلت إليه ضمن رحلة ممدوح في جمع ما يراه جديراً بالبقاء.
«أم الكندم لا يزال».. اسم يحمل فكرة
اختار ممدوح بشارات أن يطلق على البيت اسم «أم الكندم لا يزال»، في تسمية تحمل أكثر من مجرد عنوان للمكان. فهي، في جوهرها، تعبير عن إصرار على أن يبقى البيت حاضراً، وأن تستمر حكايته رغم تغير المحيط من حوله.
ويصف ممدوح البيت بأنه «تاريخ عائلتي وأمجادها ورمز للهندسة العربية الأصيلة»، وهي نظرة تختصر علاقته بالمكان؛ فالقيمة بالنسبة إليه لا تنحصر في قدم البناء، وإنما في ما يحمله من ذاكرة عائلية وتاريخ وتفاصيل معمارية وحياة ارتبطت بالأرض.
وبينما تحولت مناطق كثيرة من محيط عمان إلى أحياء وشوارع وامتدادات عمرانية، بقي «لا يزال» محتفظاً بمساحته وخصوصيته، وكأنه يصر على أن يترك للتاريخ نافذة مفتوحة داخل المشهد الحديث.
الفن دخل البيت
ولأن علاقــة ممدوح بشــارات بالمكان لم تقف عند الزراعة والتـراث، ولأن الفــن كان جـزءاً من اهتماماته وحياته، تحـول البيــت أيضاً إلــى مساحة احتضنـــت أمسيــات ونشاطات فنية وثقافية. ففي هذا البيت أقيمت أمسية للموسيقي نصير شما، إلى جانب أمسيات غنائية شاركت فيها مغنية الأوبرا ديمة بواب، والمغنية مكادي نحاس، كما احتضن أمسية شعرية للشاعرة غدير حدادين.
وشهد المكان كذلك معرضاً للبسط والسجاد، واحتفالية بذكرى رحيل الفنان التشكيلي علي الجابري، إلى جانب نشاطات أخرى جعلت البيت يتجاوز فكرة المكان العائلي المغلق، ليصبح مساحة تستقبل الفنانين والشعراء والموسيقيين والمهتمين بالفنون والتراث.
وفي هذه الفعاليات، يبدو أن ممدوح كان يحاول منح البيت حياة جديدة تتناسب مع تاريخه، لا أن يحوله إلى متحف صامت؛ فالأمسية الموسيقية أو الشعرية داخل بيت يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر تخلق حواراً بين أزمنة مختلفة، وتمنح المكان فرصة لأن يستمر في استقبال الناس بدلاً من أن يبقى مجرد بناء يُنظر إليه من الخارج.
«الدوق».. علاقة طويلة مع التراث والمجتمع
وتتصل قصة «لا يزال» بسيرة صاحبه التي ارتبطت لسنوات بالزراعة والبيئة والفنون والمحافظة على التراث.
فممدوح بشارات هو الشخص الذي أطلق عليه جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال لقب «الدوق»، تقديراً لنشاطاته البيئية والزراعية، وللخدمات العديدة التي قدمها لمجتمعه في مجالات الفنون والمحافظة على التراث. وكان هذا الاهتمام حاضراً أيضاً في وسط البلد، حيث حوّل ممدوح بشارات البيت القديم الذي بناه عبد الرحمن باشا ماضي عام 1924 في شارع فيصل إلى «ديوان الدوق» عام 2001.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح «ديوان الدوق» معلماً سياحياً وثقافياً مميزاً في المدينة، وجاءت هذه التجربة امتداداً لعلاقة طويلة مع المباني القديمة والتراث، تقوم على إعادة توظيف المكان والمحافظة عليه بدلاً من تركه يختفي مع الزمن.
ويرى ممدوح أن هذا النشاط يمثل بالنسبة إليه «رسالتي المستمر بها بدون مقابل»، كما يربط الحفاظ على التراث بمفهوم أوسع للمواطنة، قائلاً إن «المواطنة الحقيقية هي الحفاظ على تراث البلد وخيراته».
الأرض التي ما تزال جزءاً من الحكاية
ورغم أن الطريق الذي أقيم في أواخر سبعينيات القرن الماضي غيّر شكل المنطقة وقسم الأراضي، بقيت الأرض الزراعية المحيطة بالبيت جزءاً من المشهد.
فالأراضي التي ورثها ممدوح عن والده ما تزال تُزرع، وما يزال يتابع العمل فيها، لتستمر علاقة المكان بالزراعة، وهي العلاقة التي بدأت مع إبراهيم البشارات واستمرت عبر الأجيال.
وهنا تبدو خصوصية «لا يزال» أكثر وضوحاً؛ فليس البيت وحده هو الذي بقي، وإنما بقيت إلى جانبه عناصر من البيئة التي نشأ فيها. الأرض، والزراعة، والبيت، والمقتنيات، وذكريات العائلة، كلها تجتمع في مساحة واحدة، لتقدم صورة عن مرحلة من تاريخ الحياة الريفية في الأردن. فالزائر لا يدخل إلى بناء قديم فحسب، بل يعبر إلى مساحة لا تزال تحمل آثار الحياة التي كانت قائمة حوله.
ذاكرة عائلة في بيت واحد
ومع التجول في أرجاء البيت، يصعب فصل تفاصيل البناء عن قصة العائلة. فالمكان يحمل آثار من عاشوا فيه، والقطع التي جُمعت وحُفظت داخله تستعيد شيئاً من الماضي، بينما الكنيسة التي أقيمت في غرفة الصومعة تضع ذاكرة الوالدين في قلب البيت.
أما الأعمال الفنية والنشاطات التي احتضنها المكان، فقد أضافت طبقة أخرى من الذاكرة، لتصبح جدران «لا يزال» شاهدة على لقاءات وأمسيات وأصوات فنانين وشعراء وموسيقيين مروا من هنا.
وبذلك، لم يعد البيت مجرد عنوان جغرافي في أم الكندم، وإنما تحول إلى مكان تتقاطع فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة العامة، وتلتقي فيه الزراعة بالفن، والتراث بالحياة اليومية، والماضي بالحاضر.
«لا يزال».. اسم يصف الحكاية
ربما لا يحتاج البيت إلى كثير من الشرح حتى يفهم الزائر سبب اختيار اسم «لا يزال». فمنذ بنائه عام 1860، مرّت على المكان سنوات طويلة، وتبدلت طرق ومناطق، وانقسمت الأراضي مع إقامة شارع المطار، وتغيرت عمان ومحيطها بصورة كبيرة، فيما بقي البيت قائماً.
كان مهدداً بالانهيار، فتم ترميمه. وكان يمكن أن يتحول إلى ذكرى، فأعيدت إليه الحياة. وبقيت الأرض الزراعية أمامه، واستمرت صلته بالعائلة، واحتضنت أروقته الفن والموسيقى والشعر، وحُفظت فيه مقتنيات وقطع من الذاكرة.
ومن بين كل هذه التفاصيل، يبدو «لا يزال» اليوم أشبه بسيرة مكان أكثر منه مجرد بيت؛ سيرة بدأت مع إبراهيم البشارات، واستمرت مع أبنائه وورثته، ثم انتقلت إلى مرحلة جديدة عندما اشترى ممدوح بشارات حصص الورثة، واختار أن يحافظ على البيت ويعيش جزءاً من العام فيه ويتابع زراعته، قبل أن يفتح أبوابه أيضاً للفن والثقافة.
وفي الوقت الذي تتغير فيه المدن بسرعة، تكتسب البيوت التي تبقى في مواقعها قيمة مضاعفة، ليس فقط لأنها أقدم، وإنما لأنها تمنح الأجيال اللاحقة فرصة لرؤية ما كان عليه المكان قبل أن تتغير ملامحه.
ولهذا، يظل بيت إبراهيم بشارات في أم الكندم، بحسب القائمين عليه، أقدم بيت مسكون حتى اليوم في الأردن، محافظاً على خصوصيته وتاريخه وإرث عائلته.
بيتٌ بدأ حكايته قبل أكثر من 160 عاماً، وما يزال واقفاً في أم الكندم، محاطاً بالأرض التي ارتبط بها، محتفظاً بعقوده ومقتنياته وذاكرته، ومستقبلاً الحياة والفن من جديد.
وربما في اسم «لا يزال» تكمن الحكاية كلها؛ فالمكان الذي نجا من تغيرات الطريق والأرض والزمن، لم يكتفِ بأن يبقى واقفاً، بل اختار أن يظل حياً.