من نصرالله إلى خامنئي… “الطوفان” الذي طال رأس المحور
إذا كانت هذه القيادة قد أخطأت في حساب أمنها وبقائها فبأي حق تطلب من شعوب المنطقة أن تسلم لها أمنها ومستقبلها؟

النشرة الدولية –
إندبندنت عربية –
لم يكن أخطر ما فعله ما عرف بـ”طوفان الأقصى”، الذي اندلع نهار السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، بأنه فتح حرباً تجاوزت غزة إلى لبنان وإيران، بل بأنه أيضاً وضع المشروع الإيراني أمام امتحان كثيراً ما أجّله، ماذا يحدث حين تتحول التهديدات إلى مواجهة فعلية ويصبح القادة الذين وعدوا بتغيير وجه المنطقة أهدافاً يمكن الوصول إليها؟ وكيف يحمي محور رأسه بعدما عجز عن حماية أبرز قادته وأهم ساحاته؟
في ذلك النهار من شهر أكتوبر، بدا المشهد في خطاب المحور كأنه بداية انهيار إسرائيل، لكن المسار الذي أعقب الهجوم حمل انقلاباً قاسياً على هذه القراءة، فقتل حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” في الـ27 من سبتمبر (أيلول) عام 2024، وسقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ثم أصابت الضربات القيادة العسكرية الإيرانية في يونيو (حزيران) عام 2025، وصولاً إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في الهجوم الأميركي – الإسرائيلي في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي. لم تكن هذه أحداثاً متطابقة في أسبابها وظروفها، لكنها رسمت اتجاهاً واحداً، إذ انتقل الخطر من الأطراف التي بنتها إيران لحماية نفوذها، إلى مركز السلطة الذي أدار هذا النفوذ.

هنا تكمن المفارقة الكبرى، فالعملية التي احتفي بها باعتبارها ضربة لهيبة إسرائيل، أعقبها سقوط شخصيات كان المحور يتعامل معها باعتبارها أكبر من الهزيمة، وأكثر من مجرد قيادات سياسية وعسكرية، ولم يسقط هؤلاء تلقائياً، لكن ذلك فتح مسار مواجهة اتخذت خلاله إسرائيل والولايات المتحدة قرارات عسكرية مستقلة، واستخدمت فيه اختراقات استخبارية وقدرات بنيت على مدى سنوات.
فكيف أسهم السابع من أكتوبر عام 2023 عبر المسار الذي أطلقه في قتل قادة “محور الممانعة”، وإسقاط الحصانة التي أحاطوا بها أنفسهم؟ وفي كشف الفارق بين إطلاق الحرب والقدرة على التحكم بنتائجها، وبدأ الانقلاب من معنى “النصر” نفسه؟
الخلط بين مفاجأة “العدو” وبين كسر قدرته على الرد
في الـ10 من أكتوبر من ذلك العام، وصف خامنئي الهجوم بأنه زلزال مدمر وهزيمة استخبارية وعسكرية لا يمكن ترميمها لإسرائيل، وأعلن تأييده لمن خططوا له ونفذوه. وكانت القراءة الإيرانية تقوم على أن الاختراق الكبير كشف عن ضعف إسرائيل، وأثبت صواب استراتيجية دعم الفصائل وتسليحها، لكن تلك القراءة تعاملت مع نجاح الهجوم الأول كما لو أنه حسم نتيجة الحرب التي سيستدعيها.
وهذه إحدى الثغرات الأساسية في حسابات المحور، الخلط بين مفاجأة الخصم وبين كسر قدرته على الرد. لقد كشف السابع من أكتوبر عن فشل إسرائيلي كبير، لكنه لم يلغ تفوق إسرائيل العسكري، ولا دعمها الأميركي، ولا قدرتها على إعادة ترتيب أولوياتها، بل منح قيادتها دافعاً للانتقال من إدارة التهديد إلى محاولة تفكيك مصادره.
وليس معنى ذلك أن كل قرار إسرائيلي كان ناجحاً، أو أن الخسائر البشرية والدمار يمكن تحويلهما إلى شهادة تفوق سياسي، بل إن المحور قرأ الصدمة التي أصابت خصمه، ولم يحسب بما يكفي ما يمكن أن تفعله هذه الصدمة بعقيدة خصمه وقراراته، واعتقد أنه حطم الردع الإسرائيلي، لكنه دخل مواجهة تبين خلالها أن ردعه هو أيضاً قابل للتحطيم.
اختبار “وحدة الساحات”
من جهته، وفي خطابه الأول بعد الهجوم، وفي الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، شدد نصرالله على أن قرار العملية وتنفيذها فلسطينيان، وأن التخطيط جرى بسرية لم تطلع عليها بقية أطراف المحور. كان يريد الاحتفاء بالهجوم مع نفي المسؤولية الإيرانية واللبنانية عن اتخاذ قراره، لكن هذا التفسير كشف مبكراً عن حدود الشعار الذي رفع سنوات، أي أن وحدة الساحات لم تكن تعني بالضرورة وحدة القرار، ولا التزاماً متساوياً بتحمل كلفة الحرب.
وكان “حزب الله” دخل المواجهة تحت عنوان “إسناد غزة”، في الثامن من أكتوبر، على أساس أن الجبهة اللبنانية تستطيع الضغط على إسرائيل، من دون أن تتحول إلى حرب تطيح بالتوازن الذي حكم الحدود سنوات، غير أن هذه المقاربة افترضت أن الطرف الآخر سيبقى ملتزماً بالسقف نفسه، وأن الحزب يستطيع تحديد حجم الاشتباك ومدته ومآلاته.
هنا وقع الخطأ السياسي قبل العسكري، من “يتجرأ” على فتح جبهة، ليس وحده من يحتفظ بحق تحديد نهايتها، ومن يربط أمن بلده بحرب خارج حدوده، يصبح رهينة تطورات لا يتحكم بها، وقرارات لا يملك حق النقض عليها.
في الـ19 من سبتمبر عام 2024، وبعد تفجيرات أجهزة “البيجر”، أعاد نصرالله التأكيد أن الجبهة اللبنانية لن تتوقف قبل انتهاء الحرب على غزة، وكان يكرر معادلة الإسناد في لحظة كشفت فيها الضربة عن أن البنية الأمنية للحزب تعرضت لاختراق خطر، وبعد ثمانية أيام قتل هو نفسه.
وبين الخطاب والاغتيال، ظهر الفارق بين القدرة على إعلان الاستمرار في الحرب، والقدرة على حماية القيادة التي تديرها، ولم تعد المسألة عدد الصواريخ أو مدى وصولها، بل سلامة منظومة القرار والاتصال والأمن، وقدرتها على العمل تحت ضغط متواصل، فجاء وقع سقوط نصرالله أكبر من خسارة أمين عام، وفكفكفة جسد الحزب، فقوة نصرالله لم تكن في موقعه التنظيمي وحده، بل بأنه كان يمتلك قدرة على تحويل الخيارات الإيرانية إلى خطاب لبناني وعربي، وعلى تقديم تدخل الحزب في ساحات مختلفة بوصفه جزءاً من معركة واحدة، وجمع بين القيادة العسكرية والتعبئة الشعبية والتأثير السياسي، وكان حضوره يسمح للحزب بتجاوز التناقضات بين دوره اللبناني والتزامه الإقليمي، لهذا أصابت خسارته وظيفة يصعب تعويضها بمجرد تسمية خلف له. وبمقتل نصرالله، خسر المحور أحد أبرز صانعي هيبته، والأشد وطأة أن الاغتيال كشف عن أن الهيبة التي تراكمت عبر الخطابات لم تكن حصانة أمنية، وأن الردع الذي جرى تقديمه كضمانة لم يمنع الخصم من ضرب رأس التنظيم، وامتد الامتحان إلى من أطلق الحرب.
تراكم “التضحيات” لا يعفي القيادة من مساءلة خياراتها
قتل يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” أو “العقل المدبر” لـ”طوفان الأقصى”، في الـ16 من أكتوبر عام 2024، وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتله في اليوم التالي، ووفق البيان العسكري الإسرائيلي، واجهته القوة التي قتلته خلال اشتباك في رفح من دون أن تكون تعرف مسبقاً هويته، وهذه نقطة مهمة، بمعنى أن قتل القيادات لم تكن كلها نتيجة الآلية نفسها، ولا يصح جمعها في رواية استخبارية واحدة، لكن النتيجة السياسية أوسع من تفاصيل الاشتباك، فالرجل الذي ارتبط اسمه بقرار السابع من أكتوبر، لم يبق خارج الكلفة التي أطلقها ذلك القرار. وقد تستطيع أية حركة أن تحول مقتل قائدها إلى رمز تعبوي، غير أن الرمزية لا تجيب عن السؤال الأساس، ماذا تحقق من أهداف الحرب؟ وماذا خسر المجتمع الغزاوي الذي دارت الحرب على أرضه؟
هذه المسافة بين صناعة الرمز وتقييم النتيجة رافقت المحور كله، فكل خسارة قابلة لأن تعاد تسميتها “تضحية”، وكل قائد مقتول يمكن أن يصبح مادة لحشد جديد، لكن تراكم “التضحيات” لا يعفي القيادة من مساءلة خياراتها، ولا يحول الخسارة العسكرية تلقائياً إلى مكسب سياسي.
وجاء سقوط الأسد ليكشف عن أن المحور يخسر الجغرافيا أيضاً، فسقوط بشار الأسد، انكشاف أحد الأعمدة الأهم التي استند إليها المشروع الإيراني في المشرق في الثامن من ديسمبر عام 2024، سقط نظام بشار الأسد، ولم يكن ذلك نتيجة مباشرة لهجوم السابع من أكتوبر، فقد حمل النظام أسباب انهياره في داخله، من الاستنزاف الطويل إلى ضعف مؤسساته واعتماده على الحماية الخارجية، لكن سقوطه وقع بعدما تعرض “حزب الله” لضربات كبيرة، فلم يستطع أن “ينقذه” هذه المرة، وفي ظرف إقليمي تراجعت فيه قدرة إيران على إنقاذه بالصورة السابقة أيضاً.
بالنسبة إلى إيران، لم تكن سوريا حليفاً سياسياً، بل كانت ساحة نفوذ وعمقاً جغرافياً أساسياً لصلتها بلبنان، لذلك حمل انهيار النظام خسارة تتجاوز شخص الأسد، إلى انكشاف أحد الأعمدة الأهم التي استند إليها المشروع الإيراني في المشرق.
وهنا أخذت صورة المحور تتبدل، فلم يعد أمام سلسلة خسائر بشرية يمكن التعويض عنها بقيادات بديلة، بل أمام تراجع في البيئة التي تسمح لهذه القيادات بالعمل، ذلك أن النفوذ يحتاج إلى طرق إمداد، وحلفاء في الحكم، ومؤسسات تحمي ذلك النفوذ، وجغرافيا متصلة، وحين تصدعت تلك الشروط، لم يعد يكفي استمرار الخطاب للحفاظ على الدور نفسه.
ومن ثم انتقلت الضربات إلى الداخل الإيراني.
الضربات تصل إلى “قلب المحور”
في الـ13 من يونيو عام 2025، قتل رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري، وقائد “الحرس الثوري” حسين سلامي، وقائد مقر “خاتم الأنبياء” غلام علي رشيد، في الضربات الإسرائيلية. وأعلن الجيش الإسرائيلي بعد ذلك استهداف علي شادماني، الذي تولى قيادة المقر خلفاً لعلي رشيد، ومثلت هذه الوقائع انتقالاً نوعياً، إذ إن الخسائر لم تعد محصورة بقيادات الأذرع الإيرانية، بل أصابت مستويات عليا من القيادة العسكرية للدولة الإيرانية نفسها. ومعلوم تماماً أن طهران بنت جانباً أساساً من استراتيجيتها على نقل المواجهة إلى خارج حدودها، وإنشاء قوى تستطيع تهديد الخصوم ورفع كلفة استهداف إيران، لكن حين تعرضت القيادة العسكرية الإيرانية لضربات مباشرة، أصبح السؤال عن جدوى هذا الاستثمار أكثر إلحاحاً، إلى أي حد استطاعت شبكة الأذرع حماية المركز؟
هنا، لا يصح القول إن هذه الشبكة كانت بلا أثر، أو إن إيران فقدت كل وسائل الرد، لكن الوقائع أظهرت أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، تختلف عن القدرة على منعه من الوصول إلى الداخل، فامتلاك أدوات هجومية لا يساوي امتلاك حصانة دفاعية، والتهديد بحرب متعددة الجبهات لا يضمن أن تبقى تلك الجبهات متماسكة حين تتعرض لضغط متزامن. وعند مقتل خامنئي، أصيب رأس الهرم الذي منح المحور شرعيته.
رأس الهرم
في الـ28 من فبراير عام 2026، قتل علي خامنئي في الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، وأعلنت السلطات الإيرانية مقتله في الأول من مارس (آذار)، وهنا بلغت الضربة مستوى يختلف عن كل ما سبق، لم يكن خامنئي قائد ذراع، ولا مسؤولاً عسكرياً يمكن استبداله داخل سلسلة القيادة، بل رأس النظام، وصاحب السلطة العليا التي ربطت بين مؤسسات الدولة والمشروع الإقليمي عقوداً. وكانت مكانته لدى القوى المرتبطة بولاية الفقيه تجمع بين المرجعية الدينية، والسلطة السياسية والاستراتيجية، لذلك أصاب مقتله مركزاً تنطلق منه شرعية قرارات كبيرة، وتربط به معاني الطاعة والالتزام والتضحية. واللافت إلى أن خامنئي، ومن بعد اغتيال نصرالله، أكد في خطبة الرابع من أكتوبر عام 2024 أن مقتل القادة لن يدفع قوى “المقاومة” إلى التراجع، وكان جوهر خطابه أن المشروع أكبر من الأشخاص، وأن الخسائر يمكن استيعابها ضمن استمرار المواجهة، لكن وصول الاستهداف إليه نقل هذه المقولة من خطاب يلقى على الحلفاء، إلى امتحان داخل النظام نفسه، وأصبح على الدولة التي وعدت حلفاءها بالاستمرار بعد خسارة قادتهم، أن تثبت قدرتها على الاستمرار بعد خسارة قائدها الأعلى. وهذا لا يعني تلقائياً سقوط النظام، لكنه يعني أن الحصانة التي أحاطت برأسه سقطت، وأن المسافة بين مركز القرار وميدان الاستهداف، لم تعد توفر الحماية التي افترضها أنصاره. ومع ذلك، فإن سقوط خامنئي لا يعني سقوط إيران، فالقول إن المحور انتهى تماماً بمجرد مقتل قادته يكرر، بصورة معكوسة، الخطأ الذي ارتكبه المحور حين اعتبر ضربة واحدة دليلاً على قرب زوال إسرائيل، ويمكن للتنظيمات والدول أن تبقى بعد خسارة قادتها، لكنها تبقى بقدرات وتوازنات مختلفة، وشرعية تخضع لامتحانات وإعادة تثبيت.
فبأية قوة يستمر النظام؟ وبأية قدرة على إدارة الإقليم؟ وهل يستطيع الخلف ترميم ما انكشف في عهد السلف؟ أم يرث مؤسسات هشة قائمة ومشروعاً عُد “مقدساً” تعرضت ركائزه لضربات قاتلة؟
اقرأ المزيد
كيف سقطت “المقدسات”؟
تلك “المقدسات” كانت سياسية قبل أن تكون أشخاصاً، والمقصود هنا في “المقدسات” ليس المعتقد الديني، بل تحويل القيادات وخياراتها إلى مساحة محصنة من النقد، وفي هذا النموذج يصبح الاعتراض على قرار الحرب تشكيكاً في “خطاب الممانعة”، والسؤال عن الكلفة مساساً بالتضحيات، ومحاسبة القيادة اعتداء على الرمز، وأتت المواجهة لتكشف عن خطورة هذه المعادلة، فعندما يمنح القائد موقعاً فوق المساءلة، تتراجع القدرة على تصحيح القرار قبل الكارثة، وحين تربط “صدقية” المشروع بصدق القائد وحده، تصبح خسارته أزمة في المعنى والثقة، إلى جانب كونها خسارة في القيادة. ومن هنا، سقطت ثلاث فرضيات حملت جانباً كبيراً من خطاب المحور، بأن القائد قادر دائماً على قراءة خصمه، وأن تراكم السلاح يضمن ردعاً ثابتاً، وأن الارتباط بإيران يوفر حماية استراتيجية تتجاوز قدرة الدول المحلية.
لم تختف كل هذه العناصر، لكنها فقدت صفة “الضمانة”، صار ممكناً أن يقتل القائد، وأن تخترق المنظومة المسلحة، وأن تصل الحرب إلى الدولة الراعية نفسها، وبعد ذلك لم يعد مقنعاً تقديم استمرار إطلاق الصواريخ وحده دليلاً على أن الحسابات الأولى كانت صحيحة. وأصابت الحرب، كذلك، صدقية العلاقة بين الراعي وأذرعه.
تبدل وظيفة الأذرع
حين كان المحور في حال توسع، بدت العلاقة بين إيران وأذرعها شراكة في القوة، أما حين توالت الضربات، ظهر السؤال الذي كان الخطاب يؤجله، من يتحمل الكلفة؟ ومن يحدد سقف التدخل؟ ومن يقرر متى يصبح إنقاذ الحليف أغلى من خسارته؟
هنا في هذه الحرب، إيران لم تبق خارج النار تماماً، وانتقلت المواجهة إلى أرضها وقيادتها العليا، لكن قدرتها على الحماية لم تواكب حجم الأدوار والالتزامات التي بنتها حولها، هي شجعت نموذجاً إقليمياً يقوم على تعدد الجبهات، ثم أظهر التصعيد أن تعدد الجبهات يمكن أن يصبح تعدداً في نقاط الانكشاف، وتبدلت وظيفة الأذرع، فالقوة التي كانت تقدم باعتبارها رصيداً يوسع نفوذ إيران، تحولت تحت وطأة الاستنزاف، إلى طرف يحتاج إلى المال والسلاح والحماية وإعادة التنظيم، وعندما استنزف “الراعي”، أصبحت إعادة بناء المحور معركة على الموارد والشرعية، وليست مجرد قرار باستبدال القيادات.
فهل أسقط “طوفان الأقصى” إذاً من عُدوا يوماً من المقدسات؟
في المحصلة، يمكن القول إن المسار الذي أعقب تاريخ السابع من أكتوبر عام 2023، أسقط عدداً من أبرز وأهم رموز المحور، إذ لم نقل كل الرموز، وكشف عن هشاشة افتراضات أساسية أحاطت بهم، لكن الأهم أنه أسقط ادعاء القدرة على التحكم الدائم بالمواجهة، فالذين تحدثوا عن إدارة الإيقاع، وتحديد السقوف، وربط الجبهات، وجدوا أنفسهم أمام حرب اتسعت إلى قياداتهم وعواصمهم.
ولا يمنح ذلك إسرائيل براءة سياسية أو قانونية، ولا يجعل مقتل المدنيين ودمار المجتمعات تفصيلاً في حساب الانتصار، بل يضع مسؤولية القرارات أمام أصحابها، لا يمكن تبرير فتح جبهة باسم حماية قضية، ثم إعفاء القرار من المحاسبة، عندما تنتهي الجبهة إلى استنزاف المجتمع الذي فتحت منه، والمفارقة أن “طوفان الأقصى”، الذي أراده أصحابه لحظة تعيد رسم توازن المنطقة، صار أيضاً نقطة انطلاق لمسار أعاد رسم المحور الإيراني نفسه، من غزة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، ودمشق وطهران، وانتقلت الحرب من اختبار حدود القوة إلى كشف حدود “الوعد” الذي بني عليها. ومن سقط من نصرالله إلى خامنئي يتجاوز الأشخاص، إلى سقوط القدرة على مطالبة الناس بتصديق أن كل تصعيد محسوب، وكل خسارة ممهدة لنصر، وكل قائد محمي بمعادلة ردع لا تكسر، وقد تبقى التنظيمات، وقد يستمر النظام، لكن الهيبة التي منحت قراراتهم حصانة لم تعد كما كانت. وبعد هذا المسار، يصبح السؤال الذي لا تستطيع “القداسة السياسية” إسكاته، إذا كانت هذه القيادة قد أخطأت في حساب أمنها وبقائها، فبأي حق تطلب من شعوب المنطقة أن تسلم لها أمنها ومستقبلها؟