“على سهل النغم” في تربل البقاعية حين يحوّل الكونسرفتوار الثقافة والموسيقى إلى نهج تنموي

ماجدة داغر –
من قلب البقاع، حيث تلتقي أصالة الأرض بعنفوان الإنسان، شهدت بلدة تربل في شرق زحلة احتفالية موسيقية استثنائية حملت عنوان «على سهل النغم». أمسية جسدت رسالة الفن السامي ومحطة مفصلية في مسيرة اللامركزية الثقافية التي ينهض بها المعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفاتوار.
بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس، وبالتعاون مع اتحاد بلديات شرق زحلة ورعاية بلدية تربل، تحوّلت الساحة العامة لبلدية تربل إلى مسرح مفتوح يتسع للحلم، يجمع بين جنباته أكثر من ألف من الحضور احتشدوا ليعلنوا عطش المنطقة الشديد للفن الراقي والموسيقى الجادة.
تمت الأمسية وسط حضور رسمي ونيابي وسياسي وروحي واجتماعي تقدمه النائب سليم عون، والنائب السابق الدكتور طوني أبو خاطر، ومحافظ البقاع القاضي كمال أبو جودة ممثلاً بالأستاذ رواد سلوم، إلى جانب صاحبي الدعوة والجهد المشترك: رئيسة الكونسرفتوار الدكتورة هبة القواس، ورئيس اتحاد بلديات شرق زحلة الأستاذ فواز الترشيشي. كما شارك في الأمسية رؤساء وأعضاء بلديات المنطقة، والمخاتير، وفاعليات البقاع وأهالي بلدة تربل والجوار.

أدارت الحفل وقدمته الإعلامية ناتالي عيسى، مستهلةً كلمتها بنقل تحيات رئيس بلدية تربل السيد غابي فرج الذي حال السفر دون حضوره. وأكدت عيسى في كلمتها أن الفن والثقافة لا يعيشان حصراً في الصالات والأوبرا الكبرى، بل يتنفسان في قلب القرى والبلدات وبين الناس، حيث تصبح الموسيقى أصيلة من كيان الإنسان والذاكرة والمستقبل. كما توقفت عيسى عند الرؤية الاستثنائية التي تقود بها الدكتورة هبة القواس الكونسرفتوار الوطني، مؤكدة أنها شخصية “أشهر من نار على علم”، استطاعت بجهد دؤوب وتفانٍ صادق أن تنقل الموسيقى والفن الراقي إلى كل المناطق اللبنانية، متجاوزةً حدود العاصمة لتبني الإنسان وتكتشف المواهب وترسخ الثقافة الموسيقية في المجتمع.

استُهلت الكلمات بكلمة نائب رئيس اتحاد بلديات شرق زحلة ورئيس لجنة الثقافة فيه، ماريو كعدي، الذي شدد على أن الموسيقى تُهذّب النفوس وترتقي بالمسلك الاجتماعي. وأوضح كعدي أن هذه الأمسية تشكل بداية لخطوة عملية تهدف لتأسيس مركز جديد للكونسرفتوار في المنطقة، نظراً لغناها بالمواهب الشابة التي كانت تمنعها صعوبة التنقل وبعد المسافات عن متابعة شغفها وتطوير قدراتها. وأعلن رسمياً عن قرار مجلس اتحاد بلديات شرق زحلة بتخصيص الطابق الأول من مبنى الاتحاد وتجهيزه بالكامل ليصبح فرعاً رسمياً للمعهد، منوّهاً بجهود الدكتورة القواس وشجاعتها الثقافية.
من جهته، عبّر رئيس اتحاد بلديات شرق زحلة الأستاذ فواز الترشيشي عن عميق شكره لبلدية تربل ورئيسها وأعضائها، مشيداً بالدكتورة هبة القواس ورؤيتها الثاقبة في فتح أبواب المعهد أمام أبناء القرى والبلدات اللبنانية كافة. وأكد الترشيشي أن بناء المجتمعات الحقيقية لا يقتصر على الحجر والتعبيد، بل يتكامل بالإنسان والفن والمعرفة.
وفي لحظة وفاء تعكس مدى التقدير للجهود المبذولة، قدّم رئيس اتحاد بلديات شرق زحلة الأستاذ فواز الترشيشي درعاً تكريمية للقواس، وجاء هذا التكريم تعبيراً عن امتنان أبناء المنطقة واتحاد البلديات لجهودها الاستثنائية، ولمبادرتها الشجاعة في فتح آفاق جديدة أمام الطاقات الشابة في القرى والبلدات، وإيماناً بمسيرتها التي جعلت من الموسيقى جسراً للتنمية الإنسانية والثقافية.
وفي كلمتها أعربت القواس عن سعادتها العارمة إقامة هذه الحفل في تربل وشرق زحلة بين هذا الجمهور المتذوق والمحب للحياة والفن. وأشادت بالتعاون المثمر والنموذجي مع اتحاد بلديات شرق زحلة، مشيرة إلى أن الاتحاد لم يكتفِ بطلب تنظيم أمسية موسيقية، بل بادر بطرح مشروع استراتيجي مستدام يهدف إلى إقامة فرع دائم للكونسرفتوار في مبنى الاتحاد الكائن ببلدة قوسايا.
وأكدت القواس أن الكونسرفتوار أخذ على عاتقه التنقل بين مختلف المناطق اللبنانية لنشر التربية الموسيقية، وهذا ما تجسد جلياً خلال جدول نشاطات الصيف الحافل بحفلات موسيقية متعددة خرجت بها الأوركسترا الوطنية من العاصمة بيروت إلى أرجاء الوطن كافة.
وأعلنت رئيسة الكونسرفتوار عن بشارة سارة لأهالي المنطقة تعلن فيها افتتاح فرع رسمي جديد للمعهد في منطقة شرق زحلة بالتنسيق الكامل مع اتحاد البلديات الذي قدم التسهيلات والمبنى، مؤكدة أن هذا الفرع لن يقتصر على التعليم الأساسي فحسب، بل يتطلع للتركيز على تدريس الآلات الموسيقية النادرة والنفخية (الخشبية والنحاسية)، مما يمهد الطريق أمام أبناء المنطقة للالتحاق الاحترافي بالأوركسترا الفلهارمونية والأوركسترا الشرق – عربية.
وشددت القواس على الأهمية البالغة لتعليم الموسيقى للشباب والأطفال، ليس فقط كفعل جمالي وتهذيب نفسي،إنما كمسار تنموي يساهم في تأمين مهن محترمة ومستقبل واعد للشباب اللبناني، معربة عن أملها في أن تنتشر آلات الموسيقى ونغماتها في كل بيت وكل قرية على امتداد الخارطة اللبنانية.
ثم اعتلت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج المسرح لتقدم حفلاً موسيقياً غنائياً بمشاركة الفنان جوزيف عيسى، في برنامج موسيقي جمع مزيجاً راقياً بين أصالة الشرق وسحر التوزيع الأوركسترالي وروح الموسيقى اللبنانية والعربية العريقة. وتفاعل الجمهور الحاضر بحماسة بالغة مع المقطوعات والأغنيات التي انسكبت على مسرح تربل، ليتحول «سهل النغم» إلى لوحة حية تثبت أن لبنان يحيا بالفن، وأن الموسيقى هي الدرب الأبدي للجمال والأمل والمستقبل.













