حين يصبح الابتذال تذكرة عبور: صرخة في وجه الانحدار الفني والأخلاقي

النشرة الدولية – رولا عبد القادر الذهبي –

لم يعد خافياً على كل متابع للمشهد الإعلامي والفني ما آلت إليه مستويات الإنتاج والظهور في الآونة الأخيرة؛ إذ بتنا نشهد انحداراً صريحاً يعتمد الإثارة الرخيصة وافتعال الجدل سبيلاً وحيداً للبقاء تحت الأضواء. لقد تحولت الساحة، التي كانت يوماً منبراً للرقي والجمال والكلمة المؤثرة، إلى مضمار يتسابق فيه البعض على خدش الحياء واستفزاز المشاعر عبر ألفاظ مبتذلة، وإيحاءات فجة، واستعراض للجسد يفتقر إلى أبسط معايير الذوق والأدب.

إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه أمام هذا المشهد: ألم يعد للموهبة والصوت والرسالة أي قيمة حتى يُستبدل الفن الحقيقي بلغة الجسد والإيحاء المباشر؟ وما الذي يدفع أي صاحب تجربة أو ساعٍ إلى الشهرة لأن يختزل حضوره في مظهر مصطنع وحركات تستجدي الغرائز، متجاهلاً مكانه واحترامه لنفسه ولجمهوره؟ ألم تشبع تلك الأسماء رغبتها في التكسب والظهور، حتى باتت مستعدة لدفع ضريبة التنازل الأخلاقي لقاء بضع نقرات ومشاهدات على منصات التواصل؟

إن الأخطر في هذه الظاهرة ليس مجرد سعي البعض خلف “الترند” بأي وسيلة، بل ذلك التطبيع الجمعي مع السطحية؛ حيث تجد هذه المواد دعماً وانتشاراً واسعاً، ما يسهم في تشويه الذوق العام وإرباك المنظومة التربوية التي تحاول الأسر الحفاظ عليها. إن المحتوى الهابط، حين يتكرر ويُحتفى به، يترك آثاراً نفسية وسلوكية بالغة الخطورة على الأجيال الصاعدة، ويُفرغ الفن من مضمونه الإنساني والجمالي ليحيله إلى سلعة استهلاكية مجردة من أي ضابط.

وهنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية؛ فأين وزارات الإعلام، وأين الهيئات الرقابية والمؤولة عن تنظيم الفضاء الرقمي والإعلامي؟ إن غياب المتابعة وترك المساحات الرقمية مرتعاً لمن لا يحمل سوى الإسفاف والابتذال يعد تقصيراً في حماية المجتمع ومستقبل أبنائه. إن صون الهوية الأخلاقية والثقافية يستوجب وضع حدود قانونية وتنظيمية واضحة، ومساءلة كل من يتجاوز القواعد العامة للآداب والذوق.

إن الفن مسؤولية ورسالة، وعندما يُفرغ من جوهره الأخلاقي يتحول إلى أداة للهدم. حان الوقت لرفع الصوت، والتوقف عن منح التافهين تذاكر الشهرة والمشاهدة، والتصدي بحزم لكل محاولة تجعل من الابتذال معياراً للنجاح أو الوجود.

زر الذهاب إلى الأعلى