الأردن تشن حرباً على المخدرات والمؤثرات عقلية تلاحقها الرقابة وعقوبات مغلّظة

النشرة الدولية –

تواصل المؤسسة العامة للغذاء والدواء في الأردن مراجعة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية والمستحضرات ذات الصلة، وتصنيفها وفق درجات الخطورة والتأثير، استناداً إلى أسس علمية ورقابية دقيقة، وبما يواكب المستجدات الدولية وأنماط إساءة الاستخدام، ويسهم في تعزيز حماية المجتمع والحد من انتشار هذه المواد.

وتضم الجداول المعتمدة أكثر من 500 مادة موزعة على 12 جدولاً، تخضع للمراجعة والتحديث بصورة دورية، وفقاً للتشريعات الناظمة والإجراءات القانونية المعمول بها في المملكة، بما يتيح اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين، ومكافحة الاتجار غير المشروع والترويج والتعاطي المخالف للقانون.

واعتبر مختصون تحدثوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن تشديد العقوبات، على أهميته في الحد من انتشار المخدرات، لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة من جذورها، مؤكدين أن التوعية والوقاية الأسرية، ومتابعة الأبناء وعلاقاتهم الاجتماعية، لا سيما خلال مرحلة المراهقة، تشكل ركائز أساسية في حماية الشباب من مخاطر التعاطي والإدمان.

مراجعة علمية ورقابية مستمرة

وبحسب المؤسسة العامة للغذاء والدواء، فإن المواد المدرجة في جداول المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية تخضع لمتابعة مستمرة، ويتم تحديث القوائم المنشورة على موقع المؤسسة وفق المتغيرات العلمية والرقابية، والمستجدات المتعلقة بأنماط التعاطي وإساءة استخدام الأدوية والمواد ذات التأثير على الجهاز العصبي.

وتختلف المواد المدرجة في هذه الجداول من حيث درجة الخطورة، فيما تتوزع المؤثرات العقلية على جداول متعددة، بما يعكس اختلاف خصائصها وتأثيراتها ومستويات الرقابة المفروضة عليها.

وتدرس لجان مختصة طلبات إدراج المواد ومراجعتها، استناداً إلى معايير علمية تشمل آثار المادة على الجسم، وقابليتها لإحداث الاعتماد والإدمان، والأضرار الناجمة عن إساءة استخدامها، ومدى خطورتها على الفرد والمجتمع، فضلاً عن مقارنة وضعها بالتصنيفات والتوصيات الدولية ذات الصلة.

وبموجب المادة 37 من التشريعات الناظمة، يتخذ مجلس الوزراء، بناءً على تنسيب وزير الصحة، قرارات تعديل الجداول بالإضافة أو الحذف أو تعديل النسب والمواصفات والشروط، على أن تنشر القرارات في الجريدة الرسمية.

ويؤكد هذا الإطار أن إدراج دواء ضمن الجداول لا يعني بالضرورة حظر استخدامه الطبي بصورة مطلقة، وإنما إخضاعه للضوابط القانونية والرقابية المقررة، بما يحقق التوازن بين منع إساءة الاستخدام وضمان توافر الأدوية للاحتياجات الطبية والعلمية المشروعة.

كما أن عدم إدراج مادة في الجداول لا يعني تلقائياً إباحة استعمالها، إذ تتناول المادة 14 حالات تتعلق بحيازة مواد أو تعاطيها أو استعمالها بقصد إحداث التخدير أو أثر ضار بالعقل، وفقاً لشروط النص القانوني. ومن هنا تبرز أهمية الرجوع إلى الجداول النافذة والتشريعات المعمول بها عند تحديد الوضع القانوني لأي مادة.

أضرار صحية ونفسية واجتماعية

وقال استشاري أول الطب الشرعي ورئيس الجمعية الأردنية للدراسات والبحوث الجنائية، الدكتور مؤمن الحديدي، إن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية خارج الإشراف الطبي قد يؤدي إلى أضرار جسدية ونفسية، ويؤثر في وظائف الدماغ والإدراك والمزاج والسلوك، وقد يتطور إلى الإدمان، الذي يتمثل في صعوبة السيطرة على التعاطي والاستمرار فيه رغم العواقب الضارة.

وأوضح أن هناك فرقاً بين الإدمان والاعتماد الجسدي؛ إذ يشير الاعتماد الجسدي إلى تكيف الجسم مع الاستخدام المتكرر لمادة معينة، بما قد يؤدي إلى ظهور أعراض انسحاب عند إيقافها أو خفض جرعتها، وهو أمر قد يحدث أيضاً مع بعض الأدوية المستخدمة لأغراض علاجية، ولا يعني بمفرده وجود إدمان.

وبيّن أن أعراض الانسحاب تختلف بحسب نوع المادة والجرعة ومدة الاستخدام والحالة الصحية للفرد، فضلاً عن احتمال تعاطي مواد أخرى بالتزامن معها. وقد تشمل القلق والتهيّج والعصبية واضطرابات النوم وانخفاض المزاج وضعف التركيز، إلى جانب التعرق والرجفة والخفقان والصداع والرغبة الملحة في العودة إلى التعاطي.

وأضاف أن طبيعة الأعراض تختلف من مادة إلى أخرى؛ فقد يترافق انسحاب الأفيونات، مثل الهيروين والمورفين، مع التثاؤب وسيلان الأنف والدموع واتساع حدقتي العينين والقشعريرة وآلام العضلات وتقلصات البطن والإسهال.

أما التوقف عن الكحول وبعض المهدئات، ولا سيما البنزوديازيبينات، فقد ينطوي على مخاطر صحية جدية، إذ يمكن أن يؤدي الانسحاب في الحالات الشديدة إلى تشنجات، وقد يترافق انسحاب الكحول مع الهذيان. وشدد الحديدي على ضرورة إجراء تقييم طبي عند وجود اعتماد جسدي، وعدم التوقف المفاجئ عن هذه المواد دون إشراف مختص، مع طلب الرعاية الطارئة عند ظهور التشنجات أو الارتباك الشديد أو الهلوسة.

وأكد أن أضرار التعاطي لا تتوقف عند صحة الفرد، بل قد تمتد إلى استقرار الأسرة والقدرة على العمل والإنتاج والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لافتاً إلى أن تأثير بعض المواد في الحكم على الأمور وضبط الاندفاع قد يزيد من مخاطر السلوك المؤذي.

وفي المقابل، شدد على ضرورة عدم اعتبار العنف أو الجريمة نتيجة حتمية للتعاطي، أو تعميم هذه السلوكيات على جميع المصابين بالإدمان، إذ تتداخل في حدوثها عوامل متعددة، ويجب تقييم كل حالة بصورة مستقلة.

الفحوص المخبرية والتمييز بين النتائج الأولية والتأكيدية

وأوضح الحديدي أن الكشف عن المواد المخدرة والمؤثرات العقلية يتطلب التمييز بين الفحوص الأولية والتأكيدية والتقييم السريري.

وأشار إلى أن اختبارات التحري الأولي، التي تُجرى غالباً على عينات البول باستخدام الاختبارات المناعية، توفر مؤشرات استدلالية، لكنها قد تتأثر بتداخلات دوائية، ولا تكفي وحدها في جميع الحالات لإثبات هوية المادة بصورة قاطعة.

وأضاف أن الفحوص التأكيدية تستخدم تقنيات تحليلية أكثر نوعية، مثل كروماتوغرافيا الغاز المقترنة بمطياف الكتلة (GC-MS)، لتحديد المادة أو نواتج استقلابها، لا سيما عندما تترتب على النتيجة آثار قانونية أو طبية مهمة.

وأكد أهمية تفسير النتائج المخبرية في ضوء الحالة السريرية للشخص والأدوية التي تناولها وتوقيت أخذ العينة ونوعها، مبيناً أن الدم قد يساعد، بحسب المادة والظروف، في تقييم التعرض الحديث، في حين تختلف دلالات النتائج باختلاف خصائص المادة والفحص المستخدم.

وشدد على أن التحليل المخبري يحدد هوية المادة، فيما يوضح التقييم العلمي خصائصها ومخاطرها، ويحدد القرار القانوني وضعها ضمن الجداول النافذة، وفق الإجراءات التشريعية المعتمدة.

إدراج البريغابالين نموذجاً للمتابعة الرقابية

وضرب الحديدي مثالاً على المراجعة الرقابية المستمرة بإدراج مادة البريغابالين ضمن الجداول عام 2017، بعد رصد إساءة استخدام مستحضراتها، مشيراً إلى أن تشديد الرقابة على صرفها منذ عام 2015 لم يكن كافياً للحد من أنماط إساءة الاستخدام التي جرى رصدها.

وأوضح أن هذه الخطوة استندت إلى أنماط إساءة الاستعمال والمعطيات الرقابية، وليس إلى مجرد حدوث النعاس لدى المرضى الذين يستخدمون الدواء لأغراض علاجية، مؤكداً أهمية التمييز بين الاستخدام الطبي المشروع وإساءة ال

زر الذهاب إلى الأعلى