لماذا ينبغي لأميركا ألا تتخلى عن الشرق الأوسط؟
بقلم: فورين أفيرز - فيليب هـ. غوردون* -

النشرة الدولية –

 

لا يتمثل البديل عن فك الولايات المتحدة ارتباطها بالشرق الأوسط في التمسك بصورة أشد بالنهج الفاشل الذي اتُّبع في الماضي. ويرى بعض المدافعين عن الحرب على إيران أن المطلوب الآن هو التحلي بالعزم على “إنجاز المهمة”، على حد تعبير السيناتور الجمهوري عن ولاية أركنساس، توم كوتون، في تموز (يوليو). ويدعو هذا المنطق إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، ومواصلة ضرب إيران حتى يذعن النظام أو يسقط، والإبقاء على القواعد الأميركية في المنطقة بتمويل من ميزانيات دفاعية تبلغ مستويات مماثلة للمبلغ الذي طلبته إدارة ترامب، والذي بلغ 1.5 تريليون دولار.

سيكون من شأن هذا النهج أن يكرر الخطأ الذي يقف وراء إخفاقات كثيرة في الماضي، وهو الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على حل مشكلات المنطقة بصورة دائمة شريطة أن تُظهر الولايات المتحدة التزامًا كافيًا. كما أن هذا النهج لا يحظى سوى بتأييد محدود لدى الرأي العام أو داخل الكونغرس. والمطلوب بدلًا من ذلك هو إيجاد سبيل لحماية مجموعة من المصالح أقل طموحًا، لكنها أكثر واقعية، بكلفة يكون الأميركيون مستعدين لتحمّلها.
يبدأ ذلك بالتخلّي عن وهم إمكانية إعادة تشكيل المنطقة بالقوة. ثمة فرق بين استخدام القوة العسكرية لردع العدوان -وهو ما نجحت الولايات المتحدة إلى حد كبير في تحقيقه على مدى عقود- وبين توظيفها لتحقيق أهداف غير واقعية مثل تغيير الأنظمة، كما حاولت واشنطن أن تفعل في العراق في العام 2003 ثم في إيران مجددًا هذا العام. وإذا لم يكن هذا الدرس قد اتضح من قبل، فينبغي أن يكون قد أصبح واضحًا الآن.
ثانيًا، يتعين على الولايات المتحدة إعادة هيكلة انتشارها العسكري في المنطقة بصورة شاملة. ويضم هذا الانتشار حاليًا أكثر من 50 ألف جندي موزعين على أكثر من اثنتي عشرة قاعدة عسكرية كبيرة، وهو عدد يفوق بكثير ما كان لديها قبل حرب الخليج في العام 1991. وقد أظهرت الحرب على إيران أن هذه القواعد شديدة التأثر بهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى حد يجعلها تمنح إيران، من بعض النواحي، أوراق ضغط أكبر مما تمنحه للولايات المتحدة. وقد لحقت أضرار جسيمة بالكثير منها خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ولا جدوى تُذكر من إنفاق مليارات الدولارات لإعادة بنائها بالصورة التي كانت عليها سابقًا.
لكن الولايات المتحدة تستطيع إعادة تنظيم انتشارها العسكري من دون التخلي عن قدرتها على التحرك. تستطيع واشنطن، على سبيل المثال، استبدال المنشآت الكبيرة المعرضة للخطر بشبكة من المنشآت الأصغر حجمًا والأكثر تباعدًا والأفضل تحصينًا، على أن تُقام في مواقع أبعد عن مصادر الهجوم الأكثر ترجيحًا. ويمكنها تدعيم هذه المواقع بملاجئ تحت الأرض للأفراد، وبمرافق محصّنة لتخزين الوقود والذخائر، وحمايتها بطبقات متعددة من الدفاعات الجوية والدفاعات المضادة للصواريخ، فضلًا عن تخزين المعدات مسبقًا بما يتيح تعزيز القوات بسرعة عند الحاجة. وسيكون من شأن ذلك أن يحرم إيران -أو أي خصوم آخرين- من إمكانية استهداف تجمعات عسكرية كبيرة ومركّزة، مع الحفاظ على القدرة على تنفيذ العمليات متى اقتضت الضرورة.
ويمكن لواشنطن أيضًا أن تدرس نقل بعض مهام القيادة والتنسيق إلى الولايات المتحدة نفسها أو إلى مواقع خارجية أكثر أمانًا، بما فيها مواقع في أوروبا وجزيرة دييغو غارسيا، وأن تطوّر قدرتها على إعادة إمداد العمليات البحرية في عرض البحر. كما يمكنها الاعتماد على اتفاقيات تتيح لها استخدام القواعد في دول مثل الأردن ودول الخليج العربية بحيث تكون هذه القواعد سندًا للمنشآت التي ستُبقي عليها في المنطقة عند الحاجة.
جعلت التكنولوجيا المنشآت العسكرية الكبيرة أكثر عرضة للهجمات، لكنها أتاحت للولايات المتحدة في الوقت نفسه نقل مهام القيادة من البحرين أو قطر إلى ولاية كارولاينا الجنوبية، وشنّ غارات جوية على إيران باستخدام قاذفات استراتيجية تنطلق من ولاية ميزوري، وتنظيم حصار بحري بالاعتماد إلى حد كبير على حاملات الطائرات والسفن الأخرى الموجودة في عرض البحر.
وللحفاظ على مصالحها في المنطقة من دون الانجرار إلى الحرب، ينبغي للولايات المتحدة أيضًا أن تعود إلى الدبلوماسية بوصفها الأداة الأساسية لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية. ولن يكون ذلك سهلًا في ظل تشكّك إيران في استعداد واشنطن للالتزام بأي اتفاق جديد؛ فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي للعام 2015، ثم هاجم إيران مرتين بينما كانت المفاوضات جارية.
لكن النظام الإيراني الذي سيخرج من الحرب وقد تعرض للإضعاف والعزل سيرغب في إعادة بناء اقتصاده، وتجنّب تكرار الحروب، والحيلولة دون اندلاع اضطرابات داخلية. وسيحتاج في نهاية المطاف إلى صيغة للتعايش مع جيرانه والقوى الغربية، وهو ما سيتطلب فرض قيود قابلة للتحقق على برنامجه النووي.
وينبغي لمن يقولون إن الأوان قد فات للدبلوماسية القائمة على الإكراه، بما تشمل من عقوبات وحوافز تدعمها جبهة دولية واسعة وتهديد موثوق باستخدام القوة، أن ينظروا في البدائل المتاحة: إما قصف إيران كل بضع سنوات، أو القبول بامتلاكها قنبلة نووية.
كان اتفاق العام 2015، على الرغم من أوجه قصوره، وسيلة أكثر فاعلية لتقييد البرنامج النووي الإيراني ومراقبته من الحرب التي تركت إيران أمام حوافز أقوى للسعي إلى امتلاك أسلحة نووية، ومخزون من اليورانيوم عالي التخصيب يكفي لصنع نحو اثني عشر سلاحًا من هذا النوع، ومراكمة معرفة تقنية نووية واسعة، ومن دون وجود مفتشين على الأرض. ومن غير المرجّح التوصل إلى اتفاق مماثل في أي وقت قريب، وهو ما يجعل الحفاظ على الردع أمرًا ضروريًا. ومع ذلك، لا بد أن يكون الاتفاق جزءًا من أي تسوية طويلة الأمد.
للحدّ أكثر من مخاطر اندلاع صراعات مستقبلية، ينبغي لواشنطن أيضًا أن تعمل مع شركائها على تقليص هشاشة العالم أمام أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي الوقت الحالي، تتمكن الولايات المتحدة من تمرير كميات كبيرة من النفط الخام عبر المضيق -ولو أنها لم تتمكن بالقدر نفسه من تمرير المنتجات النفطية المكرّرة- لكنها لا تحقق ذلك إلا من خلال توفير حماية عسكرية مكلفة لناقلات النفط التي تعبر متخفية عن الرادارات الإيرانية بعد إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال فيها، لتفادي رصدها. ويتكبّد المصدّرون رسوم شحن وأقساط تأمين مرتفعة للغاية، مع بقائهم عرضة لخطر الهجمات. وهذا وضع غير قابل للإدامة.
كما بدأت فعليًا عملية استخدام طرق بديلة عن المضيق؛ وتخطط السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتان حوّلتا مسار نحو خمسة ملايين برميل يوميًا بعيدًا عن المضيق، لإضافة طاقة استيعابية لخطوط الأنابيب تكفي لنقل أربعة ملايين برميل أخرى على الأقل. كما تستكشف شركات الطاقة الأميركية وغيرها مسارات بديلة، من بينها إنشاء خط أنابيب يمتد من العراق إلى الساحل السوري على البحر المتوسط. وسيكون إنشاء خطوط الأنابيب هذه وحمايتها مكلفًا، لكنه يظل أقل كلفة بكثير من محاولة إبقاء المضيق مفتوحًا بالقوة، أو تحمّل النقص الدوري في الإمدادات والقفزات الحادة في الأسعار.
في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تبذل جهودًا أكبر لتقليل اعتماد اقتصادها على النفط كما تفعل دول أخرى، ولو أن ذلك يظل مستبعدًا ما دام ترامب في الرئاسة. وقد سارعت دول عديدة منذ اندلاع الحرب إلى تسريع تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة، بينما خفّضت الصين وارداتها النفطية بدرجة كبيرة، ووسّعت استخدام مصادر الطاقة المتجددة -بما في ذلك من خلال زيادة الاعتماد على السيارات الكهربائية بطريقة ملحوظة. وإذا لم يكن تغيّر المناخ كافيًا لبناء تأييد سياسي لهذا التحوّل الضروري، فينبغي أن تكون الحرب على إيران حافزًا جيدًا لذلك.
بينما تواصل واشنطن انخراطها في الشرق الأوسط والتزامها بأمن المنطقة، ينبغي لها أيضًا أن تلغي شيك الدعم المفتوح الذي تمنحه لإسرائيل. كانت ثقة الحكومة الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة ستساندها مهما فعلت، بما في ذلك شنّ حرب على إيران واغتيال خصومها في عواصم أجنبية، والتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وخلق ظروف كارثية في غزة، تنطوي كل الوقت على خطر جرّ الولايات المتحدة إلى حروب لا تريد خوضها. وينبغي للولايات المتحدة أن تعمد في الحد الأدنى إلى تطبيق القوانين الأميركية النافذة التي تربط المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة باحترام حقوق الإنسان وإيصال المساعدات الإنسانية. وعلى هذا الأساس، يمكن للولايات المتحدة أن تواصل بيع الأسلحة التي تحتاج إليها إسرائيل لردع العدوان والدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم، وإنما مع تجنّب التواطؤ أو الانخراط في صراعات أو ممارسات تعارضها. وينطبق المنطق نفسه على الشركاء الآخرين في المنطقة الذين أسهموا في تأجيج الصراعات في أفريقيا واليمن. وسوف تكون سياسة جعل الدعم مشروطًا أكثر فاعلية عندما تحافظ الولايات المتحدة على مستوى من الانخراط يجعل شركاءها يكترثون لاحتمال خسارتها.
وأخيرًا، ينبغي للولايات المتحدة أن تتجه إلى تعزيز التعاون مع حلفائها في العالم بدلًا من إبعادهم عنها بالتصرف من جانب واحد. فقد رفض الحلفاء الأوروبيون والآسيويون، لأسباب مفهومة، المشاركة في حرب على إيران رأوا أنها غير حكيمة ولم تتم استشارتهم بشأنها. ويتناقض ذلك بوضوح مع أدوارهم في ائتلاف حرب الخليج في العام 1991، والحملة التي أعقبت العام 2014 ضد تنظيم “داعش”؛ والائتلاف البحري الذي تشكّل لمواجهة الحوثيين في البحر الأحمر خلال العامين 2023 و2024؛ والدبلوماسية التي أفضت إلى الاتفاق النووي للعام 2015. ويتقاسم هؤلاء الحلفاء مع الولايات المتحدة مصالح تتعلق بأمن الطاقة ومنع الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب، ويمكنهم الإسهام من خلال الاستثمار والعقوبات والدبلوماسية ومبيعات الأسلحة والقوات العسكرية، شريطة أن تتعامل معهم واشنطن بوصفهم شركاء وليس مجرد أطراف على هامش الأحداث. وبالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم تقليل اعتمادها على القواعد الدائمة في الشرق الأوسط، فإنها يغلب أن تضطر إلى زيادة اعتمادها على قواعدها في أوروبا؛ وهو أمر لن يكون من السهل تحقيقه إذا واصلت الولايات المتحدة التنمّر على حلفائها الأوروبيين وتهديدهم بإعادة النظر في عضويتها في “حلف شمال الأطلسي” (الناتو).
كسر الحلقة المفرغة
سوف يتساءل المشككون في النهج المقترح هنا عن سبب الاعتقاد بأنه سينجح بعد أن أخفقت محاولات كثير من الرؤساء الأميركيين السابقين لإعادة التوازن وتقليص الانخراط في المنطقة. وهو تساؤل مشروع ولا توجد ضمانات للنجاح. وقد يعجز النهج الوسطي عن تجنيب الولايات المتحدة تكاليف الانخراط ومخاطره، ويكشف في الوقت نفسه حدود ضبط النفس، فتكون النتيجة تحقق أسوأ الاحتمالات على الإطلاق.
لكن ثمة أسبابًا تدعو إلى الاعتقاد بإمكانية نجاح هذا النهج. وقد أظهرت الحرب على إيران، بطريقة مؤلمة، حدود القوة العسكرية، وهشاشة النموذج الأميركي القديم للتمركز العسكري، وكلفة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وعواقب اصطفاف واشنطن غير المشروط إلى جانب إسرائيل. وتتيح هذه التطورات مجتمعة فرصة للبدء في اتباع نهج مختلف. ومن المرجح أن يشكّل تراجع استعداد الرأي العام الأميركي لتحمّل حرب أخرى مفتوحة الأمد في الشرق الأوسط عاملًا يضبط الرؤساء المقبلين ويحول دون انجرافهم مجددًا إلى المنطقة، أو إغراء أنفسهم باستخدام القوة لتحقيق أهداف غير واقعية. وستتيح دورة الانتخابات المقبلة في العام 2028 فرصة صحية لمناقشة المسار الصحيح للمضي قدمًا.
من حق الأميركيين أن يشعروا بالإحباط إزاء نتائج السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود أخفقت الجهود التي بُذلت والتريليونات التي أُنفقت في تحقيق الاستقرار أو الديمقراطية أو السلام في المنطقة. وأفضت الحرب الأخيرة إلى أزمة في مضيق هرمز لم تكن قائمة قبل اندلاعها، وفاقمت خطر الانتشار النووي الذي شُنّت الحرب أساسًا للقضاء عليه. ومع ذلك، سيكون الانكفاء الكامل، على الرغم من جاذبيته، مغامرة لا داعي لها. ينبغي ألا يكون هدف الولايات المتحدة التخلي عن الشرق الأوسط، وإنما السعي إلى تحقيق مصالحها فيه بأسلوب أكثر ذكاءً وواقعية.

*فيليب هـ. غوردون Philip H. Gordon: باحث سيدني شتاين الابن المتميز في “معهد بروكينغز”. شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس في إدارة بايدن، ومنسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في إدارة أوباما. هذا المقال مقتبس من مساهمة له ستصدر قريبًا في طبعة العام 2027 من كتاب “قرارات كبرى” Great Decisions، الذي تصدره جمعية السياسة الخارجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America Shouldn’t Let Go of the Middle East: Why Disengagement Is Not the Answer

زر الذهاب إلى الأعلى