فايننشال تايمز: النظام السوري يستخدم مآسي الشعب لخدمة مصالحه وعلاقات متشابكة مع الأمم المتحدة

النشرة الدولية –

كشف تقرير لمجلة فاينانشال تايمز، كيف يستخدم نظام الرئيس بشار الأسد، مآسي الشعب السوري، لخدمة مصالحه، في غمرة “علاقات متشابكة مع الأمم المتحدة” أنتجت فشلا ذريعا في إيصال المساعادات للمتضررين لا سيما شمالي البلاد.

وقال التقرير إن بطء وصول المساعدات إلى مناطق المعارضة الفقيرة في سوريا بعد الزلزال، باعتراف شخصيات بارزة في الأمم المتحدة “يؤكد كيف يتم استخدام المساعدة الإنسانية من قبل نظام الرئيس بشار الأسد”.

المجلة نقلت عن موظفي الإغاثة، قولهم إن النظام السوري “يجبر الأمم المتحدة على تقديم تنازلات تفيد رئيس النظام السوري وشركاءه”.

توظيف أبناء رجالات النظام

أظهرت وثائق تم تسريبها في عام 2016 أن الأمم المتحدة وظفت في السابق أقارب مسؤولين رفيعي المستوى في النظام.

وفي هذا الإطار، لفت التقرير إلى تعيين ابنة رئيس المديرية العامة للمخابرات السورية، حسام لوقا، في مكتب الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ التابع للأمم المتحدة في دمشق.

ويوجد لوقا، تحت طائلة العوقبات الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، بسبب تورطه في انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقال أربعة أشخاص للصحيفة إن ابنته تعمل بصندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ.

في المقابل، قال متحدث باسم الوكالة إن الأمم المتحدة لا تكشف عن معلومات شخصية عن الموظفين، مضيفًا أن “جميع الموظفين يتم تعيينهم وفقًا عمليات توظيف صارمة”.

واختارت مجلة فاينانشيال تايمز عدم تسمية الابنة، التي يُعتقد أنها في أوائل العشرينات من عمرها، وليست متهمة بارتكاب أي مخالفات.

وقال عامل إغاثة مقيم في الشرق الأوسط للمجلة: “لا يمكنني إخبارك بعدد المرات التي دخل فيها مسؤول حكومي سوري إلى مكاتبنا ليدفعنا لتوظيف أحد أقربائه”.

وتشير ممارسات التوظيف هذه، إلى أن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية “قد يكون فيها أقارب من الموالين للنظام”.

إقامة مكلفة

يشير التقرير كذلك، إلى أن وكالات الإغاثة الأممية، توصلت إلى حلول وسط غير سهلة مع النظام بشأن المسائل التشغيلية الأساسية.

وتدفع الأمم المتحدة ملايين الدولارات سنويا في إطار ما يصفه التقرير بـ”مسائل تشغيلية” مثل السكن لموظفيه.

كشف التقرير مثلا أن الهيئة الأممية دفعت  11.5 مليون دولار في عام 2022، بينما بلغ مجموع ما قدمته منذ 2014 أكثر من 81 مليون دولار، لمصاريف سكن موظفيها في فندق  “فور سيزنز” في دمشق، المملوك لرجل الأعمال المعروف، سامر فوز.

ويوجد فوز، هو الآخر، تحت طائلة عقوبات “هو والفندق نفسه من قبل الولايات المتحدة منذ عام 2019 بسبب علاقاتهما المالية مع الأسد” يقول التقرير.

وقال فرانشيسكو غاليتيري، وهو مسؤول كبير في الأمم المتحدة في دمشق، إن الإقامة كانت “واحدة من تلك الخدمات التي ليس لدى الأمم المتحدة الكثير من الاختيار فيها، بسبب نقص توافر البنية التحتية”.

وأضاف أن الأمم المتحدة طلبت بانتظام موافقة النظام على استخدام أماكن إقامة بديلة، لكن لم يتم منحها أي إقامة أخرى.

معاملات مالية “إجبارية”

في سياق متصل،  يسحب النظام السوري ملايين الدولارات من المساعدات الإنسانية من خلال إجبار وكالات المعونة الدولية على استخدام سعر صرف رسمي غير موات، بينما يتم استخدام السوق الموازية على نطاق أوسع في سوريا.

ويقول خبراء إن الأموال التي يتم جمعها بهذه الطريقة تستخدم لدعم الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي.

أطلقت مؤسستان سوريتان هما “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية” و”البرنامج السوري للتطوير القانوني”، دراسة “غير مسبوقة” كشفت عن “كيفية استفادة الشركات الخاصة المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا من مشتريات الأمم المتحدة من الدولة، وحصة التمويل التي تذهب إليها”.

ومنذ أن بدأت الليرة السورية في التدهور في عام 2019، قالت الأمم المتحدة إنها دفعت من أجل سعر صرف أفضل للمساعدات الدولية، والتي تم منحها في ثلاث مناسبات فقط.

ويعود التعاون بين الحكومة السورية وجماعات الإغاثة إلى بداية الحرب الأهلية في البلاد في عام 2011.

وزادت الأمم المتحدة والوكالات الدولية من وجودها بسرعة في البلاد، وقدمت تنازلات لدمشق، متوقعة سقوط الأسد بسرعة، لكن الأخير صمد في وجه الثورة الشعبية، واستعاد في نهاية المطاف السيطرة على معظم البلاد، بدعم عسكري من روسيا وإيران.

ومع ذلك، لم يتم إعادة التفاوض بشأن الامتيازات (التنازلات) التي قدمتها وكالات المعونة في البداية، حيث استجابت مجموعات المساعدة على مر السنين لمطالب النظام “خوفا” من فقدان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية.

اللعب وفق قواعد النظام

يقول التقرير في وصف هذا الوضع “يشير هذا إلى المعضلة الأخلاقية التي يواجهونها، إما اللعب وفقا لقواعد النظام أو رفض المساعدة للسوريين المحتاجين”.

وقالت مصادر سورية وعمال إغاثة، وخبراء، إن هيئات الأمم المتحدة وجماعات الإغاثة مطالبة بالشراكة مع الوكالات التابعة للحكومة.

والجماعات الرئيسية المرتبطة بالحكومة هي الهلال الأحمر العربي السوري، الذي يديره المقرب من الأسد، خالد حبوباتي، والصندوق السوري للتنمية، الذي أسسته زوجة الرئيس، أسماء الأسد، والتي لا تزال تتمتع بنفوذ كبير على عملياته.

أما الهلال الأحمر العربي السوري، فهو “الشريك” الرئيسي للأمم المتحدة في سوريا ويمتلك سلطة كبيرة على المنظمات غير الحكومية الدولية.

ولم تستجب كلتا المنظمتين اللتين تقودان جهود الإغاثة إثر الزلزال في سوريا لطلبات المجلة للتعليق على ما ورد على لسان موظفي الإغاثة.

يد المخابرات

جهود المساعدة التي تبذلها أي هيئة أممية، وجميع برامج المساعدة في سوريا، يجب أن توافق عليها الحكومة مع تدخلات من مختلف الوزارات وفروع المخابرات.

وتقول مجموعات الإغاثة إن الحصول على هذه التصاريح يمثل عقبة كبيرة أمام عملها.

وكشف تقرير أعده معهد الشرق الأوسط، أن ما يقرب الربع من أكبر 100 مورد مدرجين على أنهم يتلقون أموال مشتريات من الأمم المتحدة بين 2019-2021 كانوا شركات إما خاضعة لعقوبات من قبل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو المملكة المتحدة، أو مملوكة لأفراد خاضعين لعقوبات.

وخلص التقرير إلى أن وكالات الأمم المتحدة “لا تدمج بشكل كاف ضمانات حقوق الإنسان في ممارسات الشراء الخاصة بها.. مما يعرض سمعتهم لمخاطر كبيرة تتمثل في تمويل جهات مسيئة”.

يُذكر أن الأمم المتحدة قالت إنه لم يتم التعاقد مع أي شركات أو أفراد مدرجين في قوائم العقوبات الدولية مع كيانات الأمم المتحدة في سوريا.

وقالت إن ملكية الشركات من قبل الأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان أو الجرائم الكبرى الأخرى “تمثل سببا للأمم المتحدة لاستبعاد البائع”، لكنها أضافت أنها تتطلب “معيار إثبات لا يدع مجالا للشك” للمشاركة في ممارسات محظورة “.

وأضافت أنها تبنت ممارسات أكثر صرامة منذ الفترة التي غطتها البيانات المذكورة في هذا التقرير، بل إنها أنهت بعض العقود.

مليارات الدولارات..  “السر المكشوف”

خلال 12 عاما من الصراع الوحشي، تم توزيع مليارات الدولارات من المساعدات عبر منظمات مثل الأمم المتحدة.

قال عامل إغاثة سابق في دمشق، إن سيطرة النظام على قطاع المساعدات كان “سرا مكشوفا”.

وحتى بعد أسبوع من الزلزال، اضطر الناجون في مناطق شمال غرب سوريا التي تسيطر عليها جماعات معارضة، وتركيا، التي تدعم المعارضة، إلى إخراج العائلات من تحت الأنقاض بأنفسهم، حيث لم تكن المساعدات وصلت بعد.

وجاء الرد البطيء نتيجة منع دمشق الوكالات التابعة للأمم المتحدة من العبور عبر جميع المعابر الحدودية باستثناء واحد، بينما تم فتح المزيد من المعابر في نهاية المطاف.

ويقيد نظام الأسد الوصول إلى المناطق المحتاجة، ويحول المساعدات إلى مناطق تابع له، ويضايق موظفي المنظمات غير الحكومية، وفقا لتقرير منفصل أعدته ناتاشا هول، الزميلة البارزة في برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهيومن رايتس ووتش.

واستندت هول إلى عشرات المقابلات والوثائق المتاحة.

وقالت تقارير أخرى إن المنظمات التي تسعى للتغلب على القيود تتعرض للعقوبات بشكل متكرر، وعادة ما يتم ذلك من خلال تقييد حصول موظفيها على تأشيرات الدخول.

 

زر الذهاب إلى الأعلى