الصحافة تحت النار في لبنان: بين الحماية القانونية وواقع الاستهداف الممنهج
بقلم: د. ملكة محمد الحلبي

الحلبي باحثة قانونية و ناشطة في حقوق الإنسان

في اليوم السادس والعشرين من الحرب على لبنان، لا يبدو ما يجري مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل مشهدًا مفتوحًا على كارثة إنسانية شاملة، تتقاطع فيها صور التهجير القسري لأكثر من مليون إنسان مع مشاهد الدمار الواسع للبنى التحتية، وانهيار الكيانات السكنية، واستهداف المدنيين والطواقم الطبية، وصولًا إلى الصحفيين الذين يفترض أن يكونوا في مأمنٍ بحكم دورهم الإنساني والمهني. في هذا السياق، لم يعد الصحفي ناقلًا للخبر فحسب، بل أصبح شاهدًا مهددًا، وصوتًا يُراد له أن يُسكت.

لقد سقط في هذه الحرب عدد من الصحفيين اللبنانيين أثناء تأدية واجبهم، ومن بينهم علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني وغسان نجار ومحمد رضا وفرح عمر وربيع معماري وعصام عبد الله. هؤلاء لم يكونوا في مواقع اشتباك، ولم يحملوا سلاحًا، بل حملوا الكاميرا والميكروفون، ومع ذلك تم استهدافهم في مواقع معروفة، وهم يرتدون إشارات واضحة تدل على هويتهم الصحفية.

هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل يُعقل أن يُقتل صحفي بصاروخ يدمّر مبنى بأكمله؟ أين مبدأ التناسب الذي يُفترض أن يحكم استخدام القوة في النزاعات المسلحة؟ وكيف يمكن تبرير استخدام هذا القدر من القوة الفتاكة في مواجهة أشخاص يتمتعون بصفة مدنية واضحة؟ إن هذه الأسئلة لا تنتمي إلى الخطاب العاطفي فقط، بل تضرب في صميم القواعد التي أرساها القانون الدولي الإنساني، والذي يقوم أساسًا على مبدأي التمييز والتناسب، ويُلزم أطراف النزاع بتجنب استهداف المدنيين أو تعريضهم لأضرار مفرطة مقارنة بالهدف العسكري المرجو.

لقد نصت اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 بشكل صريح على أن الصحفيين الذين يباشرون مهام مهنية في مناطق النزاع يُعتبرون مدنيين، ويتمتعون بالحماية الكاملة ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وهو ما لم يثبت في أي من الحالات المذكورة. كما أكّد قرار مجلس الأمن 2222 على أن استهداف الصحفيين يُعد انتهاكًا جسيمًا قد يرقى إلى جريمة حرب، خاصة عندما يكون الاستهداف مباشرًا أو متكررًا أو يتم رغم وضوح الهوية المدنية.

ومع ذلك، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى نمط يتجاوز الأخطاء العرضية، ليطرح احتمال وجود سياسة تهدف إلى طمس الحقيقة ومنع توثيق ما يجري. فاستهداف الصحفي لا يُسقط فردًا فقط، بل يُسقط معه رواية، ويُضعف قدرة المجتمع الدولي على الوصول إلى المعلومات المستقلة. وهذا ما يفسر لماذا يُنظر إلى الإعلاميين، في كثير من النزاعات، بوصفهم أهدافًا غير معلنة في معركة السرديات.

وقد وثّقت جهات مهنية دولية، من بينها الاتحاد الدولي للصحفيين، تكرار استهداف الصحفيين في مناطق مختلفة من الجنوب اللبناني، بما في ذلك حاصبيا وعلما الشعب وطير حرفا، في ظروف تشير إلى وضوح الهوية الصحفية للضحايا. إن هذا التكرار، في ظل غياب المساءلة الفعلية، يعمّق الإحساس بأن هناك فجوة خطيرة بين النص القانوني والتطبيق العملي، ويطرح إشكالية الإفلات من العقاب كأحد أبرز التحديات التي تواجه النظام القانوني الدولي.

في المحصلة، لا يمكن قراءة استهداف الصحفيين في لبنان بمعزل عن السياق الأوسع لمحاولة السيطرة على الرواية، ولا يمكن فصله عن معاناة شعب يُدفع ثمن الحرب من حياته اليومية ومن ذاكرته أيضًا. إن قتل الصحفي ليس مجرد انتهاك قانوني، بل هو فعل يستهدف الحقيقة ذاتها، ويُقوّض أحد أهم أعمدة أي مجتمع حر.

يبقى أن لبنان، بكل ما يحمله من وجع، لا يزال يُنجب من يحمل الكلمة رغم الخطر، ويُصرّ على أن الحقيقة لا تُدفن تحت الأنقاض. وإذا كان القانون الدولي قد منح الصحفي صفة “مدني”، فإن دماء هؤلاء تثبت أنهم، في واقع هذه الحرب، شهداء الحقيقة… وشهود على زمنٍ يُختبر فيه معنى العدالة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى