مهنا… ضمير وطن يكتب الأوطان بمداد الحقيقة في زمن الانهيار

النشرة الدولية –
في وطنٍ أرهقته الانقسامات، وأثقلته الحروب، وابتلعته الاصطفافات حتى كاد يفقد صورته الأولى، يصبح للكلمة الصادقة قيمة وطن بأكمله، ويصبح للقلم الحرّ معنى المقاومة الحقيقية في وجه التزييف والانهيار. ومن بين الأصوات القليلة التي بقيت وفيّة للبنان الدولة، للبنان الفكرة، للبنان الإنسان، تتصدّر الإعلامية سوسن مهنا المشهد الإعلامي العربي، وتفرض نفسها كواحدة من أكثر الأقلام صدقاً وجرأةً ووعياً في مقاربة الشأن اللبناني.
منذ سنوات وأنا أتابع ما تكتبه سوسن مهنا، وحتى أكون منصفاً، فإن كثيراً مما تكتبه—كلما أسعفني الحظ لقراءته—يعزّ نظيره في هذا الزمن. ليس لأن كتابتها جميلة فحسب، بل لأنها نادرة في صدقها، شجاعة في طرحها، ووطنية في جوهرها. في زمن تحوّل فيه الإعلام عند كثيرين إلى أبواق طائفية أو منصات تعبئة وانقسام، بقي قلمها منحازاً إلى لبنان وحده، إلى الدولة وحدها، إلى الإنسان اللبناني الذي يدفع دائماً ثمن صراعات الآخرين على أرضه.
هي لا تكتب لطائفة، ولا تتحدث باسم جماعة، ولا تنطلق من حسابات المحاور، بل تكتب بضمير لبناني خالص، كأنها تحمل وجع هذا البلد بين سطورها، وكأن قلبها معلّق بكل بيت تهدّم، وكل أمّ انتظرت ابنها، وكل شابّ خسر مستقبله لأن وطنه تحوّل إلى ساحة مستباحة. ولهذا تحديداً، تصل كلماتها إلى القارئ مباشرة، لأنها لا تخرج من غرف السياسة الضيقة، بل من وجدان وطني حيّ يعرف تماماً معنى أن يكون لبنان أكبر من كل الزعامات، وأغلى من كل الحسابات.
تقريرها الأخير لم يكن مجرد مادة صحافية عابرة، بل بدا كأنه وثيقة وطنية كتبت في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان. بأسلوبها العميق والمباشر، وضعت يدها على الجرح اللبناني الحقيقي، لا على أعراضه فقط. لم تنشغل بالضجيج السياسي اليومي، بل ذهبت مباشرة إلى أصل الأزمة: أزمة الدولة، أزمة القرار، أزمة الشرعية، وأزمة وطن لم يعد يعرف من يملك حق الحرب ومن يملك حق السلام.
ما كتبته لم يكن تحليلاً عادياً للأحداث، بل قراءة سيادية شجاعة تكشف حجم المأزق الذي يعيشه لبنان اليوم، حيث تتصارع إرادتان: إرادة دولة تريد أن تستعيد قرارها وموقعها وهيبتها، وإرادة قوة ترى نفسها أكبر من الدولة أو موازية لها. ومن هنا جاءت قوة النص، لأنه لم يختبئ خلف العبارات الرمادية، ولم يهرب إلى المنطقة الآمنة، بل سمّى الأمور بأسمائها، وطرح الأسئلة التي يخشى كثيرون مجرد الاقتراب منها.
في كتابات سوسن مهنا تشعر أن لبنان ليس خبراً عابراً، بل قضية وجود. تشعر أن كل كلمة تكتبها تحمل خوفاً حقيقياً على هذا الوطن، وإيماناً حقيقياً بأنه يستحق الخلاص. ولذلك، فإن ما يميزها ليس فقط مهنيتها العالية أو قدرتها التحليلية اللافتة، بل هذا الحس الوطني الصادق الذي يسبق أي موقف سياسي أو إعلامي. فهي تكتب بعقل الصحافي المحترف، لكن أيضاً بقلب اللبناني الذي لا يريد أن يرى بلده يسقط أكثر في الهاوية.
ولعل أكثر ما يلفت في كتاباتها أنها لا تسعى إلى التصفيق، ولا تكتب لإرضاء جمهور معين، ولا تتعامل مع الحقيقة كسلعة قابلة للتعديل وفق اتجاه الريح. في زمن المساومات الكبرى، بقي قلمها عصياً على التدجين، حراً كما يجب أن يكون الإعلام الحر، وجريئاً كما يجب أن تكون الكلمة حين يكون الوطن في خطر.
هي تدرك أن الوطنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل موقف أخلاقي يومي. والوطنية الحقيقية ليست دفاعاً أعمى عن الأشخاص، بل دفاع عن الدولة، عن السيادة، عن حق الناس في العيش بكرامة وأمان، بعيداً من الحروب العبثية والمشاريع التي دفعت بلبنان مراراً إلى حافة الانهيار.
لهذا تبدو سوسن مهنا اليوم أكثر من مجرد إعلامية ناجحة. إنها صوت وطني حقيقي في زمن اختلطت فيه الأصوات، وضمير حيّ في لحظة يحاول فيها كثيرون قتل فكرة الدولة نفسها. كتاباتها ليست مجرد مقالات أو تقارير، بل شهادات للتاريخ، ومواقف ستبقى لأنها كُتبت من موقع الصدق لا المصلحة، ومن موقع الانتماء الحقيقي للبنان لا لأي شيء آخر.
دائماً نشعر أن قلمها ليس منفصلاً عن قلبها؛ كلاهما منحازان إلى الوطن، إلى الناس، إلى لبنان الذي نحلم به جميعاً: دولة قوية عادلة سيدة حرة، لا ساحة مفتوحة للحروب ولا رهينة لمصالح الخارج. ولهذا، كلما قرأنا لها، شعرنا أن هناك من لا يزال يؤمن بهذا الوطن رغم كل شيء، ومن لا يزال يقاتل بالكلمة كي لا يسقط لبنان نهائياً في العتمة.
وفي زمن عزّت فيه الكلمة الحرة، تبقى سوسن مهنا واحدة من الأصوات التي تذكّرنا بأن لبنان، مهما تعب، لا يزال فيه من يكتب له بصدق، ومن يحمله في قلبه قبل قلمه، ومن يرى فيه وطناً نهائياً لا ورقة تفاوض، ولا ساحة نفوذ، ولا مشروعاً عابراً.
إنها تكتب للبنان… ولذلك تصل إلى اللبنانيين جميعاً.

