«الزعتر».. زوّادة المغتربين وحب الأمهات

النشرة الدولية –
الدستور الأردنية – رنا حداد –
في الأردن، لا يحتاج الزعتر إلى مناسبة كي يحتفل به أو يتم استذكاره، لكن «يوم الزعتر العالمي» يصبح فرصة لنحكي عنه حكاية أطول من مجرد خلطة توضع فوق رغيف ساخن.
حكاية تبدأ من حقول وأعشاب برائحة الأرض، وتمرّ من أيدي الأمهات والجدات، وتصل إلى حقيبة المسافر والمغترب كـــ «زوّادة» تحمل معها شيئًا من البيت، قبل أن تجد طريقها اليوم إلى شاشات الهواتف عبر وصفات مصورة وطرق حديثة في العجن والخبز والتقديم.
وفي كل ساندويش زعتر حكاية صغيرة؛ رغيف أعدته أم على عجل لطفل ذاهب إلى المدرسة، أو خبزة لُفّت بعناية في حقيبة مسافر، أو علبة صغيرة حملها مغترب معه إلى بلد بعيد، لأن بعض النكهات لا تكون مجرد طعام، بل طريقة للاحتفاظ برائحة المكان.
وفي 23 أيلول من كل عام، يحتفي «يوم الزعتر العالمي» بهذا المكوّن الذي ارتبط عبر الزمن بالمطبخ والتراث والذاكرة الغذائية في المنطقة، فيما تتسع اليوم طرق الاحتفال به لتشمل الوصفات المنزلية، والمناقيش، وخلطات الزعتر العائلية، ومشاركة طرق تحضيره عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في الذاكرة الأردنية
في الذاكرة الأردنية، ارتبط الزعتر بالبساطة وبالمائدة التي لا تحتاج إلى كثير من المكونات كي تكون عامرة. زعتر، زيت زيتون، وخبز ساخن؛ ثلاثية تختصر كثيرًا من تفاصيل البيت الأردني، وتحوّل وجبة بسيطة إلى لقمة مشبعة بالدفء.
ولطالما كان الزعتر جزءًا من لمة العائلة صباح الجمعة وأيام العطل، علبة صغيرة من الخلطة والتوجه إلى مخبز قريب، ثم العودة بالمناقيش لتؤكل مع اللبنة البلدية وكاسة الشاي.
ثم هناك أكياس من الزعتر والسماق والسمسم، قد تجد مكانها بين الأمتعة، لا لقيمتها الغذائية وحدها، وإنما لأنها تحمل مذاق البيت إلى مكان آخر. فللمغتربين حكاية مختلفة مع الزعتر، فحين يصبح البيت بعيدًا، يمكن لنكهة مألوفة أن تستعيد شيئًا من تفاصيله. ولهذا بقيت خلطة الزعتر حاضرة في مطابخ أبناء الوطن في بلدان الاغتراب، تنتقل معهم كما تنتقل وصفات الأمهات، من جيل إلى آخر.
موروث الأجداد للأحفاد
اللافت في حكاية الزعتر أنه لم يبقَ أسير الطريقة القديمة في تقديمه، بل انتقل مع الزمن من دفتر وصفات الأم إلى الهاتف المحمول. الأم التي كانت تقول لابنتها: «ضعي قليلًا من السماق وزيدي السمسم حسب ما تحبين»، باتت وصفتها اليوم تُصوّر بالفيديو، وتُشرح المقادير أمام الكاميرا، وتنتقل من مطبخ إلى آخر خلال دقائق.
وهنا تلتقي خبرة الأمهات العصر، فطريقة إعداد عجينة المناقيش، وسر الحصول على خبز هش أو مقرمش، وطريقة توزيع الزعتر وزيت الزيتون، كلها أصبحت موضوعًا لمقاطع قصيرة على منصات التواصل الاجتماعي. وقد لا تعرف المشاهدة اسم الوصفة القديمة، لكنها تتعلمها من شاشة الهاتف، وربما تعود لتسأل أمها وجدتها عن «الطريقة الأصلية». وهكذا لا تلغي التقنية الموروث، بل تمنحه وسيلة جديدة للوصول إلى الأحفاد.
همس الأمهات.. وصفات النجاح
وراء كل خلطة زعتر منزلية تقريبًا تفصيل صغير لا يظهر في كتب الطبخ: «السر» قد يكون في نوع الزعتر، أو مقدار السماق، أو درجة تحميص السمسم، أو كمية زيت الزيتون التي تضاف إلى الخلطة عند إعداد المناقيش. وقد لا تكون هناك مقادير دقيقة أصلًا؛ فالأم التي صنعتها عشرات المرات تعرفها بالعين واليد والخبرة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعل الوصفة العائلية مختلفة، حتى عندما تتشابه مكوناتها مع وصفات الآخرين.
الزعتر.. أكثر من بهار
تُستخدم كلمة الزعتر للدلالة على مجموعة من النباتات العطرية، كما تطلق على الخلطة المعروفة التي تجمع عادةً الزعتر المجفف والسماق والسمسم والملح، مع اختلاف النسب والإضافات من بلد إلى آخر ومن عائلة إلى أخرى.
وحضر الزعتر في مطابخ بلاد الشام منذ زمن طويل، واستخدم في المناقيش واللبنة والحمص والبيض والسلطات والخضروات المشوية، وغالبًا ما يقدم إلى جانب زيت الزيتون والخبز.
وتشير المادة التاريخية المتداولة حول الزعتر إلى معرفة النباتات العطرية المرتبطة به منذ العصور القديمة، وصولًا إلى وروده في كتاب الطبخ العربي القديم المنسوب إلى ابن سيار الوراق في القرن العاشر، قبل أن يواصل حضوره في كتب الطبخ والموائد العربية عبر القرون.
أما «يوم الزعتر العالمي»، فيحتفى به في 23 أيلول، وتتمثل فكرته في الاحتفاء بهذا المكوّن ومشاركة وصفاته وطرق استخدامه المختلفة. مناسبة أطلقت عام 2019 بهدف الاحتفاء بالزعتر والتعريف بمكانته في المطبخ والتراث، وتشجيع الناس على مشاركة وصفاتهم وطرق استخدامه.
لكن حكاية الزعتر أقدم بكثير من هذا اليوم، فقد عرفت مناطق الشرق الأوسط النباتات العطرية المرتبطة به منذ آلاف السنين، وظهرت إشارات إلى استخداماتها في مصادر قديمة تناولت النباتات والطب والطهي. كما ارتبط نبات الإيزوف في بعض التقاليد والتفسيرات القديمة بالزعتر المعروف في المنطقة، وورد في سياقات دينية مرتبطة بالتطهير والفصح.
أما خلطة الزعتر التي يعرفها الناس اليوم، فأصبحت تحمل بصمة كل بيت؛ فالزعتر المجفف والسماق والسمسم والملح تشكل أساسًا شائعًا، بينما تختلف المقادير والإضافات بحسب المنطقة والعائلة والذوق. ومع الزمن ارتبطت الخلطة بالمناقيش والخبز وزيت الزيتون، كما حضرت إلى جانب اللبنة والبيض والخضروات وغيرها من أطباق المائدة اليومية.
لا يحتاج الاحتفال بهذه المناسبة إلى طقوس خاصة؛ إذ يمكن أن تبدأ الحكاية من المطبخ. فطبق زعتر مع زيت الزيتون والخبز الطازج يكفي لاستعادة واحدة من أبسط عادات الإفطار العربي، فيما يمكن تجربة الزعتر في وصفات أخرى مثل المناقيش أو الخضروات المشوية أو تتبيلات الطعام.
ومن أجمل طرق الاحتفال أيضًا إحياء وصفة عائلية قديمة ومشاركتها مع الأبناء، أو تصوير طريقة إعداد خلطة البيت ونشرها عبر منصات التواصل. وهنا تتحول وصفة كانت تُحفظ في ذاكرة الأمهات إلى محتوى يصل إلى جيل جديد، من دون أن تفقد علاقتها بالمائدة والبيت.
أما عشاق المناقيش، فيمكنهم تحويل 23 أيلول إلى مناسبة لإعدادها في المنزل، أو إعداد إفطار يجمع الزعتر وزيت الزيتون واللبنة والخضروات والخبز الطازج.




