بكفي وجع
بقلم: رنا حداد

النشرة الدولية –
أحياناً أشعر أننا أصبحنا نقرأ أخبار الحوادث كما نقرأ أخبار الطقس.
وفاة هنا، إصابة هناك، مركبة انقلبت، تصادم، تغيير مسرب، سرعة، هاتف، تجاوز خاطئ، ثم صور وفيديو للحادث على مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الاخبارية، وتعليقات حزينة، وعبارات «الله يرحمه» و»الله يشفي المصابين».. وبعدها نغلق الخبر ونعود إلى حياتنا.
إلى أن يأتي يوم يكون فيه اسم الضحية قريباً منا.
عندها فقط نفهم أن الخبر لم يكن خبراً.
كان ابناً.
أو أباً.
أو أماً.
أو أخاً.
أو شخصاً كان يفترض أن يعود إلى بيته في المساء، لكنه لم يعد.
بكفي وجع.
بكفي أن يصبح الطريق مكاناً نخاف فيه على أولادنا وأهلنا، وبكفي أن تتحول دقائق قليلة من الاستعجال إلى عمر كامل من الندم.
ما الذي يحدث لنا خلف المقود؟
لماذا يتحول الإنسان الهادئ، الذي نعرفه في البيت والعمل، إلى شخص آخر بمجرد أن يغلق باب سيارته؟
لماذا يصبح تجاوز سيارة لنا معركة كرامة؟
ولماذا نطارد من تجاوزنا وكأننا أمام خصم يجب أن ننتصر عليه؟
لماذا لا نستطيع أن نترك سيارة تدخل أمامنا؟
لماذا لا نستطيع أن نتأخر دقيقة؟
ولماذا أصبح الهاتف أهم من الطريق؟
الغريب أننا نعرف كل هذه الأخطاء، ونراها يومياً، ونشتكي منها يومياً، لكننا في أحيان كثيرة نمارسها بأنفسنا.
نغضب من السائق الذي يستخدم الهاتف، ثم نرد على رسالة ونحن نقود.
ننتقد من يسرع، ثم نستعجل عندما نكون متأخرين.
نغضب من الذي يغيّر مسربه بطريقة مفاجئة، ثم نفعل الشيء نفسه عندما نريد الوصول إلى المخرج.
نطالب الآخرين باحترام القانون، ثم نبحث لأنفسنا عن الاستثناء.
وهنا المشكلة الحقيقية.
الطريق لا يحتاج فقط إلى قوانين أكثر، بل إلى أخلاق أكثر.
الحوادث لا تعرف أسماءنا. ولا تعرف من نحب. ولا تسأل إن كان الطفل ابننا الوحيد أو كان لدينا سبعة أبناء ينتظرونه في البيت.
كم حادثاً يمكن أن تختصره كلمة واحدة؟
(اترك) ..
اترك السيارة تتجاوزك. اترك الهاتف.. اترك مسافة أمان. اترك السرعة ..اترك الغضب والعصبية. اتركهم يصلون قبلك.
نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف «السائق الشاطر».
ليس الشاطر من يناور بين السيارات، ولا من يصل قبل الجميع، ولا من يضغط على الآخرين بالبوق، ولا من يخيف السائقين بسرعته. الشاطر هو الذي يصل.. فقط.
يصل إلى بيته، وتصل عائلته إليه، ويصل الآخرون إلى بيوتهم أيضاً.
هذه ليست بطولة.
هذه مسؤولية.
وأعتقد أننا بحاجة إلى أن نتوقف قليلاً أمام كل خبر حادث قبل أن نمر عليه مرور الكرام.
ربما الضحية التي نقرأ عنها اليوم كانت قبل ساعات تضحك مع أهلها.
ربما أمّاً رتبت حقيبة طفلها.
ربما أباً وعد أسرته بشيء بعد عودته.
ربما شاباً كان يفكر في الغد.
ثم جاء خطأ صغير على الطريق، ولم يترك لهم غداً.
لهذا أقولها من القلب، لا كشعار مروري:
((بكفي وجع)).
بكفي سيارات مهشمة.
بكفي دموعاً في المستشفيات.
بكفي أمهات ينتظرن اتصالاً.
بكفي آباء يفتحون أبواباً لا يدخل منها أبناؤهم.
وبكفي أن نكتشف قيمة الإنسان بعد أن يصبح رقماً في خبر.
فلنهدأ قليلاً خلف المقود.
لنصل متأخرين قليلاً إن اضطررنا.
لنترك الهاتف يرن.
لنترك السيارة تتجاوزنا.
ولنربح شيئاً واحداً فقط في نهاية كل يوم: أن يعود الجميع إلى بيوتهم وأحبتهم.

