استهداف البرنامج النووي الإيراني: تداعيات العمل الوقائي

النشرة الدولية –

خبراء – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)  –

في التاسع عشر من آذار (مارس)، عقد “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” منتدى سياسيًا افتراضيًا بمشاركة كل من دانا سترول، وريتشارد نيفو، ومايكل آيزنشتات، وهولي داغريس. وتَشغل سترول منصب زميلة أقدم في زمالة “كاسن” ومديرة الأبحاث في المعهد. أما نيفو، فهو زميل مساعد في المعهد وزميل “برنشتاين”، وقد شغل سابقاً منصب نائب المبعوث الخاص لإيران في وزارة الخارجية الأميركية. بينما يشغل آيزنشتات منصب زميل أقدم في زمالة “كان” ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد، وهو أيضاً مؤلف الورقة البحثية الجديدة “مهاجمة البرنامج النووي الإيراني: الحسابات المعقدة للعمل الوقائي”. أما داغريس فتعمل زميلة أقدم في برنامج “فيتيربي” المعني بإيران والسياسة الأميركية في المعهد. وقد استعرض خبراء المعهد التحديات المرتبطة بالتفاوض على اتفاق نووي جديد، وفي حال تعذر ذلك، ما هي خيارات التخطيط لحملة عسكرية تهدف إلى إضعاف البرنامج النووي الإيراني أو تدميره. في ما يلي ملخص لأبرز النقاط التي تناولها المتحدثون خلال المنتدى.

***
دانا سترول
شهدت الأسابيع القليلة الأولى من عمل إدارة ترامب تطورات مهمة في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، بما في ذلك إصدار أمر تنفيذي بإعادة تفعيل حملة “الضغط الأقصى”، إلى جانب تصريحات علنية تعكس استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية ضد طهران، مع إبراز الرغبة في التفاوض في الوقت ذاته، فضلًا عن تبادل الرسائل بين الرئيس ترامب والمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
تعتقد واشنطن أن طهران قد تكبدت خسائر كبيرة خلال الحرب في غزة، بل إن النظام الإيراني قد يكون أكثر ضعفاً من أي وقت مضى نتيجة انهيار شبكته الإقليمية من الحلفاء، والتعرض لسلسلة من الضربات العسكرية المتتالية داخل أراضيه، مما أضر بدفاعاته الجوية الاستراتيجية وغيرها من الأصول الحيوية. وفي ضوء هذه الهشاشة، يخلص العديد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين إلى أن الوقت قد يكون مناسباً لاتخاذ إجراء عسكري أوسع نطاقاً ضد إيران.
أما في ما يتعلق بالوضع النووي للنظام، فقد فرضت “خطة العمل الشاملة المشتركة” للعام 2015 قيوداً على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف بعض العقوبات. ومنذ انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق في العام 2018، واصلت طهران تطوير برنامجها النووي تدريجياً، وأصبحت الآن أقرب بكثير إلى تجاوز العتبة النووية.
***
ريتشارد نيفو
أدت العديد من التطورات التقنية، على مدى الأعوام الثمانية الماضية، إلى زيادة خطر أن تكون إيران قادرة على امتلاك سلاح نووي بسرعة إذا اختارت ذلك. ففي العام الماضي، أشار وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، إلى أن النظام الإيراني يستطيع إنتاج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع قنبلة واحدة في غضون ستة إلى سبعة أيام، وقد يكون هذا الجدول الزمني أقصر من ذلك في الوقت الراهن. ومن أبرز العوامل التي أسهمت في هذا التقدم تنامي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو يقترب بشكل خطير من مستوى التخصيب اللازم للاستخدام في الأسلحة النووية. وبالإضافة إلى ذلك، قامت إيران بنشر أجهزة طرد مركزي متطورة تفوق كفاءتها بثلاثة أضعاف النماذج الأصلية، مما يعزز قدرتها على التخصيب بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
الخبر السار هو أن إيران ما تزال تسمح لمسؤولي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” بالوصول إلى البرنامج، مما يمنح المجتمع الدولي بعض القدرة على تحديد ما إذا كان النظام سيقفز إلى إنتاج اليورانيوم بنسبة 90 في المائة (وهي النسبة اللازمة لصنع الأسلحة النووية) ومتى سيقوم بذلك. أما الخبر السيئ فهو أن إيران أصبحت الآن قريبة جداً من تجاوز العتبة النووية لدرجة أن هوامش الرد على مثل هذا القرار ومنع امتلاكها للسلاح النووي أصبحت ضئيلة للغاية. وعلاوة على ذلك، لا شيء يمنع إيران من نقل المواد إلى مواقع سرية لمزيد من التخصيب، ويعود ذلك جزئياً إلى أن طهران كانت أقل شفافية بشأن عدد أجهزة الطرد المركزي التي أنتجتها منذ العام 2021.
واصلت إدارة بايدن “حملة الضغط الأقصى” التي أطلقها الرئيس ترامب خلال فترة ولايته الأولى (على الرغم من أن التطبيق كان أقل صرامة). وبناءً على ذلك، يجب على واشنطن أن تكون واقعية في توقعاتها بشأن ما يمكن أن تحققه هذه السياسة -فقد مضى الآن على “الضغط الأقصى” فترة أطول من “خطة العمل الشاملة المشتركة” نفسها، ومن الواضح أن العقوبات وحدها لا يمكنها منع إيران من تطوير أسلحة نووية. فقد اعتاد النظام هذا النوع من الضغط، وبالتالي، فإن الطريقة الوحيدة لزيادة الضغط بشكل ملموس تكمن في اتخاذ تدابير، مثل الضغط على الصين لوقف شراء النفط الإيراني، أو حتى اعتراض شحنات النفط الإيرانية بالقوة. ومن المحتمل أن ينطوي كلا الخيارين على مخاطر كبيرة للتصعيد، في ضوء اقتراب إيران بشكل كبير من تحقيق الاختراق، على الرغم من أنهما قد يؤديان إلى إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات.
في نهاية المطاف، يبقى التوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض المسار الأكثر استدامة لوقف طموحات إيران النووية. وعلى الرغم من أن التقدم التقني الذي أحرزه النظام منذ العام 2018 قد أضعف العديد من العناصر الأكثر قيمة في “خطة العمل الشاملة المشتركة” (على سبيل المثال، القيود المفروضة على البحث والتطوير النووي وبناء مواقع أجهزة الطرد المركزي)، إلا أن اتفاقاً مختلفاً وأقل شمولاً سيظل ذا قيمة. ويمكن أن تشمل العناصر الرئيسية لاتفاق جديد ما يلي:
* توسيع إمكانية وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الإيرانية ذات الصلة، وخاصة تلك المتعلقة بالتسلح النووي.
* فرض قيود على مستويات تخصيب اليورانيوم ومخزوناته.
* فرض قيود على عدد أجهزة الطرد المركزي المنشورة.
* فرض قيود على انتشار الطائرات من دون طيار والصواريخ.
وفي المقابل، ستُصر إيران، بلا شك، على تخفيف كبير للعقوبات، مما يضع واشنطن وحلفاءها أمام خيارين: إجراء تخفيف محدود من النوع المتفق عليه في “خطة العمل الشاملة المشتركة”، الذي يؤثر بشكل أساسي على النشاط التجاري الأجنبي مع إيران؛ أو تخفيف أكثر شمولًا قد يشمل أجزاء كبيرة من عناصر الحظر الأميركي. وستتوقف إمكانية تقديم هذا التخفيف بشكل مباشر على درجة التنازلات النووية والإقليمية التي يمكن للولايات المتحدة انتزاعها. وربما تكون إحدى الأفكار التي قدمها مايكل سينغ، والمتعلقة بصفقات لمدة خمسة أعوام قابلة للتجديد، مغرية لطهران.
مع تسارع العد التنازلي العسكري، ما يزال أمام الطرفين بعض الوقت للعمل على هذه القضايا واستكشاف إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن التحرك أو التقاعس على حد سواء ينطويان على مخاطر، وأن الخيارات المتاحة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني ستتقلص تدريجياً مع مرور الوقت.
***
مايكل آيزنشتات
سيكون الهدف من الضربة الوقائية هو إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالبرنامج النووي وكسب الوقت لتعزيز الدبلوماسية النووية، وردع أو تعطيل محاولات إعادة البناء، وتشكيل ترتيبات إقليمية لاحتواء إيران الضعيفة. ومع ذلك، من شبه المؤكد أن طهران ستحاول إعادة بناء البرنامج باستخدام أي مواد انشطارية وأجهزة طرد مركزي وعناصر تنجو من الهجوم. لذلك، من غير المرجح أن يكون المنع مجرد إجراء وحيد، بل من المحتمل أن يشكل البداية لحملة طويلة الأمد تستهدف منع إيران من إعادة البناء، عبر إجراءات سرية وضربات متتابعة. وإذا شعرت طهران بالقلق من احتمال أن تشمل الهجمات اللاحقة أهدافًا عسكرية واقتصادية وقيادية، فقد تقرر إبطاء جهودها لإعادة البناء.
لكي تنجح الضربة الوقائية، سيتطلب ذلك إلى خلق بيئة مواتية للهجمات اللاحقة. ومن شأن ضربة أولى ناجحة أن تسهل تعبئة الدعم المحلي والأجنبي للعمل اللاحق إذا ما اعتُبر ذلك ضروريًا. وبالمثل، فإن تجنب التصعيد سيعزز جهود المتابعة، على الرغم من أن قدرة طهران على التسبب في اضطرابات جيوسياسية قد تضاءلت إلى حد كبير بسبب إضعاف قيادة “حزب الله”، ووجود دفاعات جوية وصاروخية إقليمية قوية، والضرر الذي لحق بقدرة إيران على إنتاج الصواريخ خلال الهجوم الإسرائيلي في تشرين الأول (أكتوبر) 2024. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تقتصر الضربة على منشآت التخصيب الإيرانية (التي تقع بشكل أساسي تحت الأرض)، مما يجنب وقوع كارثة إنسانية من النوع الذي قد يترتب على الهجوم على مفاعل نووي نشط. ولتفعيل حملة طويلة الأمد، قد يكون من الضروري الحفاظ على البنية الاستخباراتية والبيئة الجيوسياسية التي تسهل تنفيذ هجمات مستقبلية على مدار الأعوام المقبلة.
هل تستطيع إسرائيل القيام بالمهمة بمفردها؟ بالإضافة إلى الذخائر الخارقة التقليدية التي يمكن استخدامها ضد أهداف مدفونة عميقًا تحت الأرض، من المحتمل أن تكون إسرائيل قد طورت قدرات شديدة السرية لهذه المهمة، ويبدو أنها استخدمت بعضها خلال عمليات سرية في الأعوام الأخيرة. وكما أربكت هجمات أجهزة النداء الإسرائيلية ضد “حزب الله” في أيلول (سبتمبر) الماضي التوقعات بشأن شكل الحرب بين الطرفين، فإن محاولة التكهن بكيفية مهاجمة إسرائيل للبرنامج النووي الإيراني تظل محاولة غير مجدية. على أقل تقدير، من المرجح أن تستفيد القدس من الدعم الاستخباراتي الأميركي والتعاون الأميركي في صد الانتقام الإيراني. ومع ذلك، فإن الهجوم المشترك الذي يجمع القدرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية سيكون بلا شك أكثر فعالية.
***
هولي داغريس
وصلت المشاعر الإيرانية السلبية تجاه النظام إلى مستويات غير مسبوقة. ففي حين كان الشعب الإيراني يلوم الغرب في السابق على العقوبات والعزلة الاقتصادية التي فرضها على إيران قبل العام 2015، فإنه أصبح يلوم طهران حالياً على مشاكله. ويبدو أن هذا الشعور المتزايد المناهض للنظام يرتبط أيضاً بتراجع الدعم الشعبي للبرنامج النووي، الذي من المحتمل أن يكون قد تجسد بعد احتجاجات 2017-2018 وبلغ ذروته خلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في العام 2022. كما يعارض العديد من الإيرانيين التوصل إلى اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، لأنهم يعتبرون ذلك بمثابة إلقاء طوق نجاة لنظام لم يعودوا يرغبون فيه.
ومن بين المعسكر المؤيد للنظام، دعا البعض بتحد إلى المضي قدماً في البرنامج النووي، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة انسحبت من “خطة العمل الشاملة المشتركة” وأعادت فرض العقوبات، على الرغم من أن طهران لم تنتهك الاتفاق في ذلك الوقت. غير أن آخرين يأملون في التوصل إلى اتفاق جديد يوفر لهم استراحة من “الاقتصاد المقاوم” -وهو مصطلح صاغه المرشد الأعلى، علي خامنئي، لتمجيد تحايل إيران على العقوبات من خلال جعل اقتصادها أقل اعتماداً على التجارة الدولية. والواقع أن الوضع الاقتصادي على الأرض آخذ في التدهور. فخلال الأشهر القليلة الماضية، على سبيل المثال، شهدت إحدى وعشرون محافظة من أصل إحدى وثلاثين محافظة إيرانية انقطاعات في التيار الكهربائي، وفقد الريال الإيراني نصف قيمته، وارتفعت أسعار البطاطا بنسبة 217 في المائة.
وعلى الرغم من أن انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” لم تتمكن من إحداث تغيير حقيقي، إلا أن سقوط نظام الأسد في سورية مؤخراً جدد الأمل لدى الإيرانيين الذين يحلمون بأن يشهدوا سقوط الجمهورية الإسلامية في حياتهم. ويشير عجز المؤسسة الدينية عن معالجة سوء الإدارة والفساد والقمع المنهجي إلى أن تجدد الاحتجاجات المناهضة للنظام أصبح وشيكاً. ولسوء الحظ، من المرجح أن تواجه طهران هذا الشعور بتصعيد القمع، لا سيما ضد النساء والفتيات والأقليات، الذين تحملوا دائمًا العبء الأكبر من هذه السياسات.

*دانا سترول: “مديرة الأبحاث” وزميلة أقدم في زمالة “شيلي ومايكل كاسن” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
*ريتشارد نيفيو: زميل مساعد في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وقد أمضى جزءاً كبيراً من حياته المهنية في الحكومة الأميركية في مناصب مختلفة. في الفترة من 2022 إلى 2024، كان أول من شغل منصب “منسق الولايات المتحدة لمكافحة الفساد العالمي” في وزارة الخارجية الأميركية.
*مايكل آيزنشتات: زميل أقدم في برنامج الزمالة “كاهن” ومدير “برنامج الدراسات العسكرية والأمنية” في معهد واشنطن، وهو متخصص في شؤون الخليج العربي والشؤون الأمنية العربية – الإسرائيلية.
*هولي داغريس: زميلة أقدم في زمالة “ليبيتزكي فاميلي” في معهد واشنطن، ومديرة نشرة “ذا إيرانيست” الإخبارية.

زر الذهاب إلى الأعلى