الأبوة والذاكرة في زمن الاضطراب السياسي… قراءة نقدية في الفيلم النيجيري في ظل أبي (My Father’s Shadow)

النشرة الدولية –
سالم بن حمودة إبراهيم – تونس –
يقدّم فيلم «في ظل أبي» للمخرج النيجيري أكينولا ديفيز تجربة سينمائية تنتمي إلى تيار السينما الأفريقية المعاصرة التي تُراكم خطابها النقدي من خلال السرد الحميمي والاقتصاد الدرامي، حيث تتحوّل القصة العائلية إلى مدخل لقراءة لحظة تاريخية مأزومة في الذاكرة الوطنية النيجيرية. لا يراهن الفيلم على الحبكة التقليدية أو التصعيد الدرامي الواضح، بل يؤسس لغته على لحظة زمنية مكثفة، تُختزل في يوم واحد يجمع أبًا بابنيه في مدينة لاغوس سنة 1993، قبيل وفاة الأب، لتغدو هذه اللحظة القصيرة حاملة لمعانٍ تتجاوز حدودها الزمنية.
يعتمد العمل بنية سردية قائمة على الاختزال والهدوء، في انسجام واضح مع طبيعة الذاكرة الإنسانية التي تتشكّل من التفاصيل اليومية أكثر مما تتشكّل من الأحداث الكبرى. فالفيلم لا يعيد تمثيل الأزمة السياسية النيجيرية بشكل مباشر، بل يتركها تتسلل إلى نسيج الحياة الخاصة عبر التوتر، الغياب، وضيق الخيارات. وبهذا، تصبح السياسة خلفية صامتة لكنها فاعلة، تؤثر في العلاقات الأسرية وتعيد تشكيلها من الداخل.
تُقدَّم شخصية الأب بوصفها شخصية إشكالية، بعيدة عن التنميط الأخلاقي؛ فهو ليس غائبًا بإرادته ولا عاجزًا بطبيعته، بل محكوم بواقع اقتصادي واجتماعي خانق. الأب هنا حاضر كـ«ظل» أكثر منه ككيان فعلي، وهو ما يمنح عنوان الفيلم بعده الرمزي، حيث تتحول الأبوة إلى وظيفة اجتماعية مثقلة بالمسؤوليات، وتفقد بعدها العاطفي الكامل تحت ضغط اليومي. ومن خلال هذه المعالجة، يطرح الفيلم مفهوم الرجولة بوصفه بناءً اجتماعيًا هشًا، يتأرجح بين الواجب والرعاية، وبين العجز والتخلي القسري.
يلعب منظور الطفل دورًا محوريًا في تشكيل الخطاب النقدي للفيلم. فالطفلان لا يمتلكان وعيًا سياسيًا يسمح لهما بفهم ما يجري من انتخابات ملغاة وقمع عسكري، لكنهما يعيشان آثار هذه الأحداث في توتر الأب، في غيابه، وفي إذلاله العلني. الطفل هنا شاهد تاريخي صامت، تختزن ذاكرته الفردية صدمة جماعية، ما يبرز كيفية انتقال الأزمات الوطنية عبر الأجيال دون الحاجة إلى خطاب مباشر أو تفسير عقلاني.
تغدو مدينة لاغوس عنصرًا دلاليًا فاعلًا في البناء الجمالي للفيلم، إذ تُصوَّر كفضاء مرهق ومزدحم، تتحول فيه الشوارع ووسائل النقل والوجوه العابسة إلى لغة بصرية تعكس الاضطراب السياسي والاجتماعي. المدينة، كما الشخصيات، متعبة ومليئة بالقصص غير المكتملة، ويُوظَّف هذا التوازي بين الفضاء العام والحياة الخاصة لتعميق البعد النقدي للعمل.
على المستوى الإخراجي، يراهن ديفيز على إيقاع هادئ قائم على لحظات الصمت والكاميرا القريبة من الوجوه، ما يسمح بالتقاط أدق الانفعالات الإنسانية، في حين تعزز الكاميرا الهزازة الإحساس بعدم الاستقرار الدائم. هذه الخيارات الجمالية لا تخدم البعد الشكلي فحسب، بل تنسجم مع مضمون الفيلم القائم على القلق، الهشاشة، وتفكك اليقين.
ولا يغفل الفيلم البعد الرمزي للذاكرة، من خلال ربط الأبوة بمقاومة النسيان، سواء عبر استحضار الغائبين في الأحلام أو عبر طقوس التسمية والدين، في سياق يبرز التعايش الاجتماعي والديني في نيجيريا خلال تلك المرحلة. فالعمل لا يُدين حدثًا سياسيًا بعينه، بقدر ما ينتقد بنية اجتماعية تسمح للاضطراب السياسي بأن يتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية.
في المحصلة، لا يقدّم «في ظل أبي» التاريخ بوصفه سردية بطولية أو وثيقة أرشيفية، بل يعيد تشكيله من خلال ذاكرة شخصية هشّة، تُعاين الفقد والغياب بوصفهما تجربة إنسانية مشتركة. إن قوة الفيلم تكمن في هدوئه، وفي قدرته على تحويل قصة عائلية محدودة الزمن إلى خطاب نقدي واسع حول الأبوة، الهوية، والعيش في ظل وطن مأزوم، ما يجعله عملًا سينمائيًا ناضجًا يرسّخ مكانته ضمن أبرز تجارب السينما النيجيرية المعاصرة.
