“سماء بلا أرض” سينما الهجرة خارج الخرائط المعتادة

النشرة الدولية – سالم إبراهيم – تونس

 

يقدّم فيلم “سماء بلا أرض” للمخرجة التونسية أريج السحيري مقاربة مختلفة لمسألة الهجرة، إذ يخرج بها من سردية العبور نحو أوروبا ليركّز على الهجرة داخل القارة الإفريقية نفسها، بوصفها واقعًا يوميًا مركّبًا ومهمّشًا في التمثيل السينمائي. من خلال تتبع مسارات ثلاث نساء من إفريقيا جنوب الصحراء يعشن في تونس، يرصد الفيلم أشكال الهشاشة الاجتماعية والقلق الوجودي الذي يرافق الإقامة القسرية في فضاء يُفترض أنه مؤقت.

لا يعتمد العمل خطابًا مباشرًا أو أطروحة جاهزة، بل يبني توتره الدرامي عبر العلاقات بين شخصياته، خاصة بعد استقبال طفلة ناجية من حادث غرق، لتتحول الشقة التي تجمع النساء إلى ما يشبه عائلة غير مستقرة. هنا يطرح الفيلم أسئلة مفتوحة حول المسؤولية الجماعية ومصير الأطفال ضحايا الهجرة غير النظامية، من يتحمل مسؤوليتهم، المجتمع المضيف أم الوطن الأصلي؟ دون أن يمنح إجابات أخلاقية قطعية.

إخراجيًا، تواصل السحيري خيارها القائم على المزاوجة بين الروائي والتوثيقي، من خلال تصوير في فضاءات حقيقية، وإدماج ممثلين غير محترفين، وترك المجال لوقائع واقعية تتسلل إلى السرد. هذا الأسلوب يمنح الفيلم قربًا من الواقع الاجتماعي الذي يصوره، ويجنبه السقوط في التنميط أو الشفقة.

كما لا يغفل “سماء بلا أرض” التوترات داخل مجتمع المهاجرين نفسه، كاشفًا عن صراعات ناتجة عن تفاوت الخلفيات الاجتماعية وضيق الموارد، وعن اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي كخيار قسري للبقاء. وفي ذلك، يعكس الفيلم تعقيد التجربة الإنسانية للهجرة بعيدًا عن الصور المثالية للتضامن.

كذلك يمتاز الفيلم بتمثيل بصري يلفت الانتباه ويعكس إحساس الشخصيات وعمق سياقهم الاجتماعي. اللقطات مصوّرة بعناية فائقة وزوايا التقاط جيدة تعكس احترافية فريق العمل، مع استخدام فعّال للضوء والظل والمساحات المفتوحة والضيقة لتعزيز التوتر العاطفي والواقعي، ما يمنح المشاهد شعورًا قريبًا من تجربة الشخصيات. ما جعل المشاهد اليومية، سواء كانت داخل الشقة أو في الشوارع التونسية، مصوّرة بطريقة تجعل الواقع حاضراً بقوّة، دون أن تفقد اللقطات جمالية فنية عالية.

أما الموسيقى التصويرية، فقد كانت اختيارًا مثاليا رافق الصورة البصرية و أفضل ما ميّز الفيلم إن لم تكن أجود ما فيه، كما لم تغفل العمل على توجيه الانفعالات دون أن تطغى على المشهد، فتتناغم مع التوتر والهدوء واللحظات الإنسانية الدقيقة في الوقت نفسه. الموسيقى المختارة أضافت جمالية كبرى للعمل جعلت منها طبقة عاطفية إضافية ، تجعل كل مشهد أكثر حيوية وصدقًا، وتساعد المشاهد على الانغماس في العالم الذي يصوّره الفيلم، مع تعزيز الإحساس بالهشاشة والأمل والتوتر النفسي للشخصيات.

 

في المحصلة، يوسّع “سماء بلا أرض” أفق السينما التونسية عبر انفتاحها على قضايا عابرة للحدود، ويقترح سينما تطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات، وتمنح الصوت لمن يعيشون في الهامش دون ادّعاء تمثيلهم أو اختزال تجاربهم ليكون في الخلاصة أولى التجارب المتمتعة بالدعم الفني الرسمي التونسي دون أن تمثّل همومه و قضاياه بدرجة أولى كما هو المعتمد أو المعتاد.

زر الذهاب إلى الأعلى