ترامب يستبق العاصفة بتوقيت محسوب: إعادة رسم خريطة النفوذ قبل المواجهة الكبرى
بقلم: كارين القسيس

النشرة الدولية –
لم يكن اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو طارئاً على أجندة صانع القرار الأميركي، بقدر ما شكّل منذ سنوات هدفاً مؤجَّلاً ضمن حسابات استراتيجيّة أوسع، غير أنّ اللحظة الراهنة تكشف بوضوح أنّ التوقيت، لا الحدث بحد ذاته، هو جوهر الرسالة الأميركيّة، فتحركات “دلتا فورس” المتسارعة تجاه فنزويلا لا يمكن فصلها عن المشهد الدولي العام، ولا سيما عن احتمالات الانفجار الكبير الذي سيطرأ قريباً في الشرق الأوسط.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، إضافةً إلى ثروات ضخمة من الذهب والمعادن النادرة التي تدخل مباشرة في الصناعات العسكريّة والتكنولوجيّة المتقدمة، وبالتالي في ظل مؤشرات متزايدة على اقتراب مواجهة إقليميّة واسعة في الشرق الأوسط، تدرك واشنطن أنّ أي اضطراب شامل قد يدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، ما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي ويقوّض أدوات الضغط الغربية.
من هنا، تبدو الخطوات الأميركيّة الأخيرة، من تشديد العقوبات على الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، إلى ملاحقة شبكات الشحن واستهداف منظومة تصدير النفط جزءاً من عمليّة استباقيّة تهدف إلى إعادة ضبط السيطرة على مصادر الطاقة الاستراتيجيّة قبل الدخول في مرحلة عالمية شديدة الاضطراب.
ومن الخطأ تفسير الموقف الأميركي من مادورو بوصفه موقفاً أخلاقياً أو شخصياً، فالسياسة الخارجية للولايات المتحدة تُدار وفق معادلات المصلحة الصلبة، إذ لم تكن واشنطن يوماً معنية بطبيعة النظام في فنزويلا بقدر ما كانت معنية بموقعها وثرواتها، وبضمان ألّا تبقى هذه الثروات خارج نطاق النفوذ الأميركي في لحظة مفصلية من التاريخ الدولي أو دخول الصين وروسيا على الخط.
هذا السلوك هو امتداد لسجل طويل من الاعتقالات من قبل واشنطن، فقد شهد العالم اعتقال حاكم غرينادا هدسون أوستن عام 1983، ثمّ إسقاط واعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003. إلاّ أن النموذج الأقرب لما قد نشهده اليوم هو سيناريو بنما عام 1989، حين نفّذت الولايات المتحدة عملية سريعة وحاسمة أسفرت عن اعتقال الرئيس مانويل نورييغا، في رسالة واضحة بأنّ التمرّد على الإرادة الأميركيّة له ثمن باهظ.
وضمن هذا الإطار، نرى أنّ ما يجري لا يقف عند حدود كاراكاس، إنّما يشكّل حلقة في سلسلة أوسع تستهدف إعادة تفكيك منظومات النفوذ المناوئة للولايات المتحدة، فإذا كان الدور اليوم على مادورو، فإنّ الأنظار تتجه غداً نحو طهران، حيث يشكّل المرشد الأعلى علي خامنئي رأس الهرم السياسي لمحور يمتد بأذرعه في أكثر من ساحة إقليميّة.
وعليه، فإنّ أي تفكك في هذه المنظومة سينعكس مباشرة على ملفات إقليميّة حساسة، من بينها لبنان، الذي ظل لسنوات رهينة محور الممانعة، ومن هذا المنظور، لا تُقرأ التحركات الأميركيّة بوصفها أحداثاً معزولة، بل كجزء من إعادة رسم شاملة لخريطة النفوذ العالمي، تمهيداً لمرحلة جديدة تُفرض بقوّة الوقائع لا بالشعارات وسيكون لبيروت حصّة من التطور والازدهار.
