«الفصول»… قصيدة جسدية تكتب تاريخ الباليه النيوكلاسيكي في الكويت

النشرة الدولية –
على خشبة مسرح الجامعة الأمريكية بالكويت، تتحول الموسيقى إلى جسد حي، والحركة إلى لغة تتجاوز الكلمات، مع انطلاق أول إنتاج محلي للباليه النيوكلاسيكي «الفصول»، الذي تقدمه أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا». هذا العرض ليس مجرد أداء فني، بل تجربة أسطورية تجمع بين الدقة التقنية والبُعد الفكري، بين التقاليد الكلاسيكية للباليه وحرية التعبير المعاصر، ليصبح كل فصل من فصول السنة لوحة شعرية نابضة بالحياة.
إدارة الأكاديمية، التي لطالما ميزتها رؤيتها الثاقبة وحرصها على عنصر المفاجأة، تؤكد من خلال هذا العمل أن بداية العام الفني في الكويت ليست مناسبة عابرة، بل لحظة احتفاء بالإبداع، وانطلاقة لرحلة فنية استثنائية. «الفصول» هو إعلان فني ناري، شهادة على قدرة الكويت على تقديم إنتاج محلي يضاهي العالمية، وعلى رؤية إدارية تدرك أن الفن يجب أن يبهر منذ اللحظة الأولى، وأن كل أداء يمكن أن يكون حدثاً تاريخياً لا يُنسى.
رحلة الأساطير: الفصول الأربعة
الشتاء: صمت البدايات وانتظار الانبلاج
الشتاء في هذا العرض ليس مجرد برودة أو نهاية. هو صمت عميق، هدوء متأمل قبل انفجار الحياة. الراقصون كالجذور في الأرض، أصابعهم تمتد نحو الضوء الخفي، والحنين يسكن كل حركة. كل رفرفة، كل التواء، وكل خطوة بطيئة هي لغة الجسد التي تعلن عن ميلاد حياة جديدة بعد صمت الشتاء الطويل، عن ولادة فصل أسطوري جديد على خشبة المسرح الكويتي.
الربيع: الولادة والتفتح
مع الرياح الأولى للربيع، تتفتح اللوحات على خشبة المسرح كما تتفتح الزهور على ضوء الشمس. كل دوران، كل قفزة، كل حركة ممتدة هي فرح التجدد، نهضة بعد صمت الشتاء، وعد بالحياة. الراقصون يتحولون إلى ألوان متحركة، موسيقى تتشكل في الهواء والضوء، ورقصات تحاكي تدفق الحياة، لتصبح المسرحية رحلة شعورية تتجاوز الأداء الفني التقليدي.
الصيف: النضج والحرارة
الصيف يشتعل بحرارته ونضجه، كل حركة أكثر جرأة، كل دوران أوسع، كل لمسة أصدق. الراقصون هنا كالشمس في أوجها، نبضاتهم حياة، وجسدهم قصيدة حركية. الإيقاعات تتلاحم مع الموسيقى، والحركة مع المشاعر، ليصبح المسرح فضاءً يحتفل بالقوة، بالحيوية، بالجرأة الإنسانية، وبقدرة الإنسان على التحرك بحرية ضمن معادلة دقيقة بين التقنية والفن.
الخريف: التأمل والانكسار الجميل
الخريف لوحة شاعرية من الألوان الذهبية والبرتقالية، الأوراق تتساقط كحكايات الماضي، والموسيقى تهبط برفق. الراقصون ليسوا مؤدين فحسب، بل شعراء بالجسد، يترجمون الشجن والجمال إلى حركات، كل دوران يحمل فلسفة، وكل وقفة تأملية نص مفتوح على التساؤل الإنساني. هذا الفصل هو لحظة الانكسار الجميل، وموسيقى التأمل، ورسالة الأمل بعد كل نهاية.
بصمة زوبوفيتش والبعد الفكري
استلهمت مديرة الفرقة ومصممة الرقصات، د. تينا زوبوفيتش، رؤيتها من السيمفونية الشهيرة «الفصول الأربعة» لڤيڤالدي، وأعادت صياغة العمل برؤية معاصرة، حيث صممت اللوحات الحركية لكل فصل على حدة، وترجمت الألحان إلى لغة جسدية تعبيرية حديثة. وصفت د. تينا الفكرة بأنها تجربة أدائية ثرية بالمشاعر والدلالات الرمزية، تحمل رسالة إنسانية تؤكد قدرة الفن على ملامسة وجدان الجمهور، وعلى أن كل نهاية تحمل في طياتها وعداً ببداية جديدة.
عرض «الفصول» هو تتويج لنهج «لابا» في إتاحة الفرص للراقصين المحليين، من خلال تقديم عمل كلاسيكي واسع النطاق ضمن رؤية معاصرة وفنية متجددة، مركزة على البُعد الفكري والدرامي، في مزج مدروس بين القواعد الكلاسيكية وحُرية التعبير المعاصر.
إشادة بالإدارة والرؤية الاستراتيجية
ما يميز هذا الإنتاج ليس فقط روعته الفنية، بل إدارة أكاديمية لوياك للفنون الأدائية، التي جعلت المفاجأة عنصراً أساسياً في بداية العام، وصنعت الحدث ليصبح أسطورة حية على خشبة المسرح. بفضل رؤيتها الثاقبة وحرصها على الابتكار، تحوّل كل إنتاج إلى مناسبة أسطورية، تجمع بين التخطيط الدقيق، الجودة الاحترافية، والجرأة الفنية، لتضع الكويت على خارطة الإبداع العالمي، وتجعل من كل لحظة على المسرح تجربة لا تُنسى.
د. تينا زوبوفيتش، الحاصلة على الدكتوراه في فن الباليه والباليه المعاصر، والمدربة في أرقى الأكاديميات الأوروبية، كانت الراقصة الأولى بفرقة الباليه الوطني الكرواتي قبل انضمامها لأكاديمية لابا، واستثمرت خبرتها في تدريب عدد كبير من الراقصين الكويتيين وفق المعايير الدولية، ليصبح هذا الإنتاج شهادة على قدرتهم على الأداء الرفيع والفكر الإبداعي المتجدد.
إرث ثقافي وفني
فرقة لابا للرقص، التي أُشهرت عام 2023، لم تكتف بعرض «الفصول»، بل أسست إرثاً فنياً غنياً من خلال أعمال استعراضية ومسرحية متميزة مثل «الحكاية الفلسطينية»، «حيث تموت الكلمات»، «عمر الخيام»، «الخيزران»، «ماكبث»، و«من هوى الأندلس». كما أطلقت الأكاديمية مجموعة من الحفلات الموسيقية بالتعاون مع فرق عالمية، وأسهمت في تدريب وإطلاق مواهب محلية في الغناء، والرقص، والتمثيل، والإخراج، ليصبح جزء كبير منها اليوم جزءاً فاعلاً من الاقتصاد الإبداعي في الكويت.
ختاماً، مع «الفصول»، يتحوّل المسرح إلى فضاء أسطوري، والراقصون إلى شعراء بالجسد، والموسيقى إلى لغة حية، والحركة إلى نص فلسفي وروحي. إنه حدث ناري وفخم، يُسجّل في تاريخ الكويت الثقافي، ويؤكد أن إدارة أكاديمية لوياك للفنون الأدائية صانعة للمعجزات الفنية، وأن المفاجأة والابتكار أصبحا عنواناً لبداية كل عام فني.
كل فصل يُختتم ليولد الآخر، وكل حركة تحمل رسالة إنسانية عميقة: أن الفن قادر على ملامسة الروح، وأن كل نهاية هي وعد ببداية جديدة. «الفصول» ليس عرضاً عادياً، بل ملحمة أسطورية، تجربة لا تُنسى، لحظة تتجاوز الأداء لتصبح إرثاً فنياً دائماً للكويت والعالم العربي.
