السقّاف… فارس الكلمة وحارس الذاكرة

النشرة الدولية كتب طلال السُكّر –
سلامٌ على من كتب ليوقظ العقول، سلامٌ على من خدم الثقافة بإخلاص، وسلامٌ على أحمد السقّاف… فارس الكلمة الذي ما زالت حروفه تنبض بالحياة.
فحين تضيق العبارات عن حمل المعاني الكبيرة، وتتراجع الكلمات العادية أمام هيبة الفكرة الصادقة، يظهر دور الكُتّاب الذين لا يكتبون بالحبر وحده، بل بالوعي والبصيرة وصدق الانتماء، وفي هذا الأفق يسطع اسم المغفور له، أحمد السقّاف، لا بوصفه كاتبًا فحسب، بل بوصفه حالةً ثقافيةً كاملة؛ قلمًا أدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الحرف إذا صَدَقَ صار أثرًا يتجاوز زمن صاحبه.
لم يكن حضوره في عالم الكتابة حضور من يملأ الصفحات، بل حضور من يملأ الفراغ بين الماضي والحاضر معنىً واتصالًا، رأى في الثقافة روح أمة، وفي التراث ذاكرة شعب، فاقترب منهما لا كناقلٍ للأخبار، بل كحارسٍ للمعنى، يزيل الغبار عن الجواهر ليعيد إليها بريقها. كانت كتاباته دعوةً للتفكير، وتذكيرًا بأن الأمم تُبنى بالوعي كما تُبنى بالعمل، وبأن الهوية التي تُقرأ جيدًا تُعاش بقوة.
السقّاف لم يكن كاتبًا يمرّ مرورًا عابرًا، بل كان شاهدًا على زمنه، وصوتًا للثقافة في زمن احتاج فيه الحرف إلى من يصونه. كتب لا ليملأ الصفحات سوادًا، بل ليملأ العقول نورًا، والقلوب اعتزازًا، والذاكرة حضورًا. وإذا كتب في التراث أحيا رميمه، وإذا تناول الشعر أسمعك من وراء القرون أنفاس قائليه، كأنما أعارهم من وجدانه صوتًا جديدًا.
لم يكن حديثه عن الشعراء الأقدمين حديث حافظٍ للأسماء، بل حديث عارفٍ بالأرواح؛ يرى في أشعارهم تجارب بشرٍ أحبّوا وخافوا وأملوا، كما نحب ونخاف ونأمل. قرّب البعيد، وأعاد إلى الذاكرة دفئها بعد أن كادت تبرد. كان يؤمن أن الأمة التي تنسى تراثها تفقد جزءًا من نفسها، وأنها كالشجرة التي تُنكر جذورها؛ فلا تلبث أن تذبل وإن اخضرّت أوراقها حينًا. لذلك جعل من قلمه جسرًا بين الماضي والحاضر، يعيد للشعراء أصواتهم، وللكلمات قيمتها، وللقارئ ثقته بثقافته.
ومع ذلك، لم يكن أسير ماضٍ ولا سجين ذكرى، بل كان ينظر إلى الثقافة نظر الزارع الحكيم؛ يغرس اليوم ليُثمر الغد، وقد كان كان يؤمن أن الأمة التي تقرأ بوعي تعيش بوعي وتنهض بوعي، وأن الثقافة ليست كتبًا على رفوف، بل روح أمة حيّة.
وقد امتاز — رحمه الفكر وبارك القلم — بأنه لم يزخرف القول زخرفًا يخدع السمع ويُتعب الفهم، بل كان يختار من الألفاظ أصدقها، ومن المعاني أمتنها، حتى تأتي عبارته في حلّة الوقار لا في ثوب التكلّف. فهو كمن يقدّم لك الدرّ لا في صندوق من ذهب، بل في يدٍ أمينة تعرف قيمته.
إن الكاتب الحقيقي لا يُقاس بعدد ما كتب، بل بعمق ما يترك. وترك المغفور له أحمد السقّاف أثرًا يشبه النقش في الصخر؛ لا تمحوه الأيام ولا تبهته السنين. كان يرى في الثقافة رسالة، وفي المعرفة أمانة، وفي الكلمة مسؤولية. فإن الكلمة إذا خرجت من القلب بلغت القلب، وإذا خرجت من عقلٍ مستنير أيقظت العقول.
وهكذا يمضي أمثال أحمد السقّاف في دنيا الناس، لا يتركون وراءهم مالًا يُقسَّم، بل فكرًا يُتداول، ومعرفةً تُورث، وأثرًا طيبًا يزداد رسوخًا كلما مرّت به الأيام. هم حرّاس الذاكرة، وحملة النور، وأصدقاء الحقيقة.
فطوبى لكاتبٍ جعل من قلمه جسرًا بين الأمس واليوم، ومن فكره مصباحًا لا يخبو بزوال صاحبه، ولا ينطفئ ما دام في الناس قارئٌ يبحث عن المعنى الجميل. وسلامٌ على المغفور له أحمد السقّاف… فارس الكلمة الذي ما زالت حروفه تنبض بالحياة.