«الفصول»… عندما تحوّل الموسيقى إلى جسد، ويشتعل المسرح بنار الفن

النشرة الدولية –
في عالم تُخنقه الأخبار الكئيبة وتضغط الحياة على النفس كما لو أنها تحاول كسر الروح، يشتعل على خشبة المسرح الكويتي شعاع من الفرح النقي: «الفصول»، عرضٌ لا يدخل القلب فحسب، بل يخرقه بنشوةٍ صافية، بلا استئذان، ليذكّرنا بأن الفن لا يعرف حدوداً، وأن الموسيقى يمكن أن تتحوّل إلى جسد، والحركة إلى شعلة تتخطّى الكلمات، فتضيء الروح وتحرّرها من كل ثقيل على الصدر.
على خشبة الجامعة الأميركية في الكويت، قدّمت أكاديمية لوياك للفنون الأدائية (لابا) عرضها الأسطوري على مدى ثلاثة أيام، تجربة نيوكلاسيكية متوهجة، تجسد الاتحاد المثالي بين عبقرية التراث الكلاسيكي العالمي وروح الإبداع المعاصر التي تنبع من الكويت وتنطلق للعالم، ولم يكن «الفصول» مجرد رقصة؛ كان ثورة على المشهد، تجربة شاملة، حيث يصبح الجسد موسيقى، والموسيقى جسداً، والرقص لغة تأمل تتجاوز الزمان والمكان.
من ڤيڤالدي إلى الجسد: موسيقى مشتعلة
«الفصول الأربعة» لأنطونيو ڤيڤالدي، تلك الروائع الخالدة التي أرخت للطبيعة بإيقاعاتها المتغيرة، لم تُقدّم هنا كما عهدناها، لقد تحوّلت إلى نبض حي، يقود كل حركة، كل دوران، كل قفزة، كأن الخشبة نفسها تنبض بالحياة.
توزع العرض على أربع لوحات ملتهبة:
الربيع: انفجار الخفة والانبعاث، كزهرة تتفتح في لحظة سحرية تحت أشعة الشمس الأولى.
الصيف: حرارة وحركة، طاقة مشتعلة تتسابق مع الإيقاع، كأن المسرح نفسه يغلي.
الخريف: نضج ودهشة لونية، مشهد من ذهب وحنين، يحكي عن التحوّل الجميل قبل السكون.
الشتاء: هدوء متأمل، كما لو أن الكون كله توقف ليستمع إلى أنفاس الحياة نفسها.
كل فصل… هو انفجار شعوري وفلسفي، يذكرنا بدورة الحياة المستمرة، وكأن المسرح أصبح مرآة للكون كله.
رؤية نيوكلاسيكية ملتهبة
وراء هذا الانفجار الفني، تقف الدكتورة تينا زوبوفيتش، المصممة والمديرة الفنية لفرقة لابا، لتقدّم رؤية تجمع بين الانضباط الأكاديمي للباليه الكلاسيكي والحرية التعبيرية للرقص المعاصر، رؤية تتوهج بالحركة والمعنى، وتحوّل كل ثانية على الخشبة إلى لحظة من الدهشة المطلقة.
الكوريغرافيا: تشكيلات جماعية متفجرة بالحياة، تسلسلات دقيقة، وحوار بصري مستمر مع الجمهور، كل ذلك ضمن انتقالات سلسة، مفردات حركية غنية، وتبديلات أزياء سريعة تجعل كل فصل قصيدة حية من الضوء واللون والحركة.
جيل يكتب أساطيره على الخشبة
قدّم فنانو فرقة LDC أداءً أسطورياً من الانسجام والدقة، يعكس سنوات طويلة من التدريب والاحتراف. الراقصون الشباب، بعضهم في المرحلة الثانوية، قدّموا أداءً واثقاً ومشعاً بالحيوية، جنباً إلى جنب مع الراقصين الأكثر خبرة، ليخلقوا لوحة جماعية متفجرة بالطاقة، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، والخبرة بالحيوية.
الحركات لم تكن مجرد تقنية، بل ترجمة حيّة للفكرة، جعلت الجسد أداة سردية تنقل الإحساس قبل الشكل، وكأن كل قفزة كل دوران، كل انثناء، هو انفجار شعوري يكتسح المشهد.
عناصر بصرية تشعل الخيال
لم يقتصر السحر على الرقص:
الأزياء: تصميمها ديناميكي وشاعري، ينسجم مع كل فصل، يواكب الحركة دون قيود.
المناظر المسرحية: شبك شفاف ومنشآت نحتية، صممها د. إبراهيم سلام وفريقه، فتجعل المسرح فضاءً تجريدياً يحاكي الطبيعة بأسلوب شاعري.
الإضاءة: ألوان وظلال تتحرك مع كل نبضة، تجعل الضوء شريكاً حقيقياً في الانفجار العاطفي.
القراءات الشعرية: بين الفصول، تضيف بعداً تأملياً، وتربط التحولات العاطفية والفلسفية، فتصبح الكلمات جزءاً من الحركة والموسيقى معاً.
أكثر من عرض… أسطورة حيّة
عرض«الفصول» الراقص، هو مشروع أسطوري، فصل جديد في تاريخ الباليه الكويتي، ثمرة جهد طويل، وإبداع محلي يضع بصمة وطنية على فن عالمي. إنه يثبت أن الرقص لغة حقيقية، قادرة على صناعة الجمال، وطرح الأسئلة، وتحريك الروح، بل وإشعالها بنار الإحساس الصادق.
في النهاية، لا يختتم «الفصول» موسماً فنياً، بل يفتتح فصلاً جديداً في المشهد الثقافي الكويتي، فصلاً يقول إن الجسد يمكن أن يكون نصاً، وأن الموسيقى يمكن أن تُرى، وأن المسرح لا يزال يمتلك القدرة على إدهاشنا، حين يُقدَّم بإيمان، مهارة، وشغف لا يُضاهى.