ينابيع لا تنضب: شفيقة المطوع وعالم العطاء الذي يشعل القلوب

النشرة الدولية –

في عالم يغرق في الصخب والأنانية، هناك من يسير بخطوات هادئة، لكنه يترك وراءه موجات لا تهدأ، ويشعل في القلوب نورًا لا ينطفئ. هناك من يشبه الينابيع… تجري بلا توقف، تهدي الحياة بلا مقابل، وتنثر الرحمة كما تُنثر النجوم في سماء الليل الصافي.

وهناك، في قلب هذا العالم، وقفت السيدة شفيقة علي عبد الوهاب المطوع، مؤسسة مشروع «الينابيع الجارية»؛ امرأة صنعت من قلبها نهرًا من الحب، ومن روحها شمسًا للضعفاء، ومن أياديها جسورًا تصل بين الحلم والواقع. ليست مجرد قصة نجاح، ولا مشروعًا خيريًا… بل شخصية حية، تُكتب بالحب، تُروى بالعطاء، وتُضيء دروب كل من يمرّ بها.

من هنا تبدأ حكاية العطاء الذي لا يعرف النهاية… العطاء الذي يزرع حدائق خضراء في القلوب، ويُذكرنا جميعًا بأن الخير الحقيقي ينبع من القلب، ويستمر كالماء الجاري بلا توقف.

في زوايا الحياة، يمرّ بعض الناس كنسمة، ويترك آخرون أثرًا كالمطر، أثرًا لا يمحى، أثرًا يروي القلوب العطشى. كلما ظننت أنهم قد أعطوا كل ما لديهم، تفجّر في داخلهم نبع جديد، ينبض بالحب، ويروي نفوس الآخرين.

مشروعها ليس مكان تُباع فيه مقتنيات أو ملابس بحالة جيدة، بل مساحة يُعاد فيها تعريف الرحمة. قطعة تُمنح، فتتحول إلى دعم، ودعم يصل إلى محتاج، فيتحول إلى دعوة صادقة في ظهر الغيب. وهكذا تمضي الدائرة: خير يجري… كالماء، بلا توقف، بلا انتظار، بلا ضجيج.

هذه الروح المضيئة تجلّت حين استعرضت تجربتها خلال حلقة حوارية ضمن برنامج «الجوهر» للتدريب الإعلامي، الذي تنظمه أكاديمية لابا للفنون التابعة لـمؤسسة لوياك. هناك، بدت قصتها أقرب إلى رسالة إنسانية، منها إلى تجربة شخصية، وكأن العطاء نفسه يتحدث من فمها، يكبر بالرعاية، ويثمر بالمحبة، ويزرع أثره في كل قلب يسمع.

آمنت أن كرامة الإنسان أهم من أي شيء، فاختارت أن يصل الدعم عبر مؤسسات تحفظ للمحتاج خصوصيته، وأن العطاء لا يحرج أحدًا بل يرفعه. وأن اليد التي تُعطي بحب، تُربي أجيالًا تعرف أن أجمل ما نملك هو ما نشاركه، وأن الرحمة تصنع حضارات صغيرة بين البشر.

غرس العطاء في حياتها ليس شعارًا، بل ممارسة يومية. بدأ في بيتها، مع أبنائها وأحفادها… حيث رأوا الحب يتحوّل إلى فعل، والخير يصبح رسالة، والعطاء سبيل السعادة. الطفل الذي يكبر بين هذه القيم يحملها في عروقه، ويعرف منذ صغره أن الرحمة واجب قلب… لا خيارًا.

وفي تجربتها يتداخل الجمال مع الخير: إعادة استخدام الأشياء، تقدير النِّعم، ووعي بأن لكل شيء فرصة ثانية للحياة. كأن رسالتها تقول: إذا كانت الأشياء تستحق فرصة أخرى، فالإنسان أولى بالرحمة والأمل.

طفولتها في فريج القناعات علمتها البساطة، التعاون، قيمة الإنسان في قلب مجتمعه. البيوت القديمة، الحصير المنسوج، الأبراج الصغيرة، والتهوية الطبيعية… كل شيء كان درسًا، كل تجربة غرسًا، وكل ذكرى نارًا مشتعلة في روحها.

وفي مشروعها، كل تفصيل صغير يحمل معنى: الأكياس الورقية بدل البلاستيكية، الملابس المستعملة تعود للحياة، القيم تتكرر مع كل زيارة، والكرامة محفوظة لكل محتاج. هي ترى أن الأشياء يمكن أن تحيا من جديد… فكيف بالإنسان؟

العطاء عندها ليس مجرد فعل… إنه حب نقي، صادق، متدفق. حب للناس، للحياة، للوطن، وللفكرة التي تقول إن المجتمع لا يُبنى بالأسمنت وحده، بل بالقلوب الرحيمة، بالنية الصافية، وباليد التي تمتد دون انتظار مقابل.

الأبطال الحقيقيون ليسوا فقط في الكتب أو على الشاشات… بعضهم بيننا، يتقد قلبه كالنار في الهشيم، يصنع الفرق بصمت، يشعل العالم بلمسة واحدة، ويترك أثرًا يضيء بعد رحيله. شفيقة المطوع واحدة من هؤلاء الأبطال؛ نبع لا ينضب، نار لا تخبو، حدائق في القلوب لا تذبل، شخصية تُلهم كل من يراها، وتستمر في التأثير بخطوات العطاء، وفي كل ابتسامة محتاج.

وفي النهاية، تهمس حياتها بسؤال خالد: ماذا سنزرع نحن؟ هل سنترك وراءنا مجرد ظل، أم سنزرع ينابيع تتدفق… ونيران لا تنطفئ… وحدائق خضراء في قلوب البشر؟

الذين يزرعون العطاء لا يرحلون أبدًا… هم يتحولون إلى إرث حي، يرويها كل قلب أحب، كل يد امتدت، وكل روح شعرت بالرحمة.

هنا يصبح الإنسان خالدًا، لا بالمكانة، بل بالحب، بالخير، وبقوة قلبه الذي قرر أن يضيء العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى